فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 161

وأما تفصيل ذلك فسيكون في موضع آخر [1] .

كثير من الناس يظن أن هذه الكلمة لا تقال إلا لمن يتطاول إلى منزلة أرفع من منزلته, أو يدَّعي فضيلة ليس منها ولا هي منه؛ فيقولون له: اعرف قدر نفسك, أو رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.

وكثير من الناس يركن إلى هذا الخاطر؛ فإذا أُسند إليه عمل وهو قادر عليه، تنصل منه، وربما قال: رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.

والحقيقة أن هذه الكلمة وأمثالها تقال فيمن يرفع نفسه فوق قدرها، وتقال _كذلك_ فيمن ينزلها دون منزلتها؛ فالذي يرفع نفسه فوق قدرها إنما يرهقها، والذي ينزل نفسه أقل من قدرها يضيع إمكاناتها سدى.

وأما الذي يَقْدُرُ نَفْسَهُ حقَّ قدرها فإنه يضعها في مكانها دون إرهاق لطاقتها ودون إهدار لمميزاتها؛ فلا يقتصر على تذكر جوانب الضعف فيها؛ لأن ذلك يقود إلى المبالغة في احتقارها، وبالتالي تحجم ولا تقدم.

بل يتذكر مع ذلك جوانب القوة والإبداع فيها؛ حتى تنبعث إلى الإقدام على ما يليق بها.

والعاقل السوي الذي ينظر الأمور كما هي _ هو ذاك الذي يسير على حد الاعتدال؛ فلا يُغَرُّ بما أوتي من ذكاء، وعلم، وقوة؛ فيزعم لنفسه كل فضيلة، ويتطاول بغروره إلى كل منزلة.

ولا يركن في الوقت نفسه إلى جوانب الضعف فيه؛ فيقوده ذلك إلى المبالغة في احتقار نفسه، وازدراء إمكاناته؛ ومواهبه؛ فيقعد عن كل فضيلة، ويعيش في هذه الحياة وكأنه هملٌ مضاعٌ، أو لقىً مزدرى.

ولم أرَ في عيوب الناس شيئًا ... كنقص القادرين على التمام

يردد بعض الناس _أحيانًا_ كلمات عامة تفيد بأن كُلاًّ يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي"وأنه ليس أحد معصومًا إلا الأنبياء فيما يبلغون عن ربهم _جلَّ وعلا_."

(1) _ لقد كتبت هذه الخاطرة بصورة مجملة، ثم خرجت مفصلة في كتاب مفرد يقع في 92 صفحة، وعنوانه (الارتقاء بالكتابة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت