فهرس الكتاب
فقال: لأني لم أقبل كل ما تورد على قريحتي، ويناجيني ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفِطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات؛ فسرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية؛ فأحكمت سَبْرَها، وانتقيت حُرَّها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت من متكلفها، ولا والله ما ملك قيادي قطُّ الإعجاب بشيء مما آتي به+ انظر زهر الآداب للحصري 1/154_155.
17_ الحذر من الاستسلام للتثبيط: فكما أن الإنسان يُنصح بألا يستعجل، وبألا يعرض عقله على الناس إلا بعد التروي، واستكمال أدوات الكتابة _ فكذلك يحسن به ألا يتثبط أو يتوانى إذا كان مهيَّأً للكتابة.
بل عليه أن يُقْدِم، وألا يحتقر نفسه.
وما زال العلماء والحكماء يُحذِّرون من مقولة: =ما ترك الأول للآخر شيئًا+ ويوصون بالكلمة الأخرى وهي: =كم ترك الأول للآخر+.
18_ عرض الكتابة على الآخرين؛ لأخذ رأيهم، والاستماع إلى ملحوظاتهم؛ فذلك أدعى لإحكام الكتابة، والاطمئنان إليها خصوصًا إذا عُرضت على ذوي علم، ونظر، وبصيرة، وخبرة بالأساليب الراقية.
19_ معرفة قدر النفس، وانشراح الصدر للنقد: فإذا وفَّق الله الكاتب لإظهار ما عنده _ فليوطِّن نفسه على ما يُقال فيه، فمن ألَّف فقد استُهدف، فليعرفْ قدر نفسه، ولا يَطِشْ به مدح المادحين في زهو، ولا ينزل به قدح القادحين في حسرة.
ثم لينشرح صدره للنقد الهادف، بل عليه ألا ينزعج من النقد الظالم؛ لأن ذلك دليل على علو كعبه، وتأثير كلامه.
ولا يعني ذلك أن يكتب ما هب ودب، ثم إذا كثر انتقاده ظن ذلك دليلًا على مكانته، وإنما المقصود أن يمر بالخطوات الماضية، وأن يشهد له أهل الفضل والعلم بالتقدم، فإذا قيل فيه _بعد ذلك ما قيل_ فليأخذ بما مضى.
وبعدُ، فهذه أصول مجملة لصناعة الكتابة، وأسباب الترقي بها، وجَعْلِها نافعة خالدة _ بإذن الله _.