فهرس الكتاب
ولكن، لا يبعد أن يتعدى ذلك المعنى إلى معانٍ أخرى، فيشمل كل من يُتعامل معهم من الناس؛ فمن ذلك أن يعمل لديك موظف في شركة، أو مدرسة، أو أي قطاع؛ فيمكث عندك فترة من الزمن طالت أو قصرت، ثم بعد ذلك تقتضي مصلحته أن ينتقل إلى ميدان أو مجال آخر، وهذا من حقه مالم يخل بشرط من الشروط.
فهل يعني ذلك أن تصرم حبال الود معه؟ وهل يلزم أن تسيء إليه، وتفسر انتقاله بقلة المروءة، ونكران الجميل؛ إذ كيف يزهد بك، وقد أحسنت إليه، وارتقيت بكفاءته؟
وهل يلزم من الافتراق، والانتقال الذي تقتضيه سنة الحياة وطبيعة العمل _ أن يكون ذريعة لنشر الغسيل، ونيل كل واحد من الآخر؟
الجواب لا؛ فأهل الكرم، وأولو الألباب، وذوو المروءات يربأون بأنفسهم عن تلك الخُطَّة؛ فيحسنون إلى من تحت أيديهم، ويقضونهم حقهم كاملًا غير منقوص، ولا يرون أنهم حكر عليهم لا يفارقونهم إلا إلى القبور.
فإذا قضى الله بالفراق، أو الانتقال _ أَحْسَنُوا التسريح والتوديع، وأَشْعَرُوا من يعمل معهم ويريد الانتقال عنهم بمحبتهم له، وحرصهم على مصلحته؛ فينتقل صاحبهم بنفس رضية، وذكريات جميلة، ودعوات صادقة، وصفح عن الزلات، وتذكر للحسنات.
بل ربما كان ذلك دافعًا لهم للعدول عن رغبتهم، أو الرجوع مرة أخرى إذا الفرصة واتتهم.
وبذلك تطيب النفوس، ويحفظ الود، ولا ينسى الفضل.
أما إذا كانت الأخرى فإن الخسارة فادحة للطرفين، سواء كانت مالية، أو معنوية، أو كليهما.
إصلاح ذات البين شعبة إيمانية, وشرعة إسلامية, تُستل بها السخائم, وتصفو القلوب, وتخمد نيران الفتن.
قال الله _ عز وجل _ منوهًا بتلك الخصلة: [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا] (النساء: 114) .