فهرس الكتاب
ولكن هذه الخصلة الكريمة، والقربة العظيمة تحتاج إلى ممارسة ودَرَبة، وألمعية مهذبة، كما تحتاج إلى نية صالحة، وقدرة على حسن الأخذ بالأسباب، ومعرفة لدخول البيوت من الأبواب؛ فهذه _على سبيل الإجمال_ أسس لابد للمُصْلِح من مراعاتها، والأخذ بها حال خوضه لغمار إصلاح ذات البين.
أما تفصيل ذلك فيحتاج إلى بسط، والمقام لايسمح إلا بأقل القليل.
وفيما يلي معالم بازرة في هذه الشأن هي أشبه بالإيضاح للأسس الماضية المجملة.
1_ احتساب الأجر: _ كما قال _ عز وجل _ [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا] (النساء: 114) .
فما ظنك بعمل صالح رتب الله عليه هذا الثواب الجزيل؟
إنه عمل عظيم وله _في نظر الشارع_ مقام جليل؛ فاحتساب ذلك على الله _عز وجل_ يبعث الهمم ، ويقود إلى المسارعة والمسابقة في ذلك السبيل، ويمد القائم به بالصبر، والروح، والطمأنينة.
2_ استشعار أن ذلك العمل استجابة لأمر الله، قال الله _عز وجل_: [وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ] ( الأنفال: 1) .
3_ استحضار أنه سبب لقوة الأمة: لأن الأمة المتصارعة، المتفككة يوشك أن تنهار، وأن تلتهمها أمم أخرى؛ فإصلاح ذات البين سبب لقوة الأمة، وصلابتها، وهيبة أعدائها لها.
4_ شكر الله _ عز وجل _: فحقيق على المُصلِح بين الناس, المُيَسَّر لهذا العمل الجليل _ أن يشكر الله على هذه النعمة، وأن يعترف له بتلك المنة؛ فانشراح صدره لذلك العمل, وقبول الناس لإصلاحه, وإصغاؤهم لكلامه, وأخذهم برأيه _ إنما هو محض فضل الله _ عز وجل _.
قال الإمام الشافعي×:
الناس بالناس ما دام الحياة بهم ... والسعد لا شك تارات وهبات
وأفضل الناس ما بين الورى رجل ... تقضى على يده للناس حاجات
لا تمنعن يد المعروف من أحد ... ما دمت مقتدرًا فالسعد تارات
واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت ... إليك لا لك عند الناس حاجات