الصفحة 1 من 22

بسم الله الرحمن الرحيم

معالم استقلال القضاء في

الشريعة الإسلامية [1]

الدكتور/ عمار بوضياف بن التهامي

المقدمة:

إنه لمن فضول القول أن الشريعة الإسلامية لم تغفل عن ناحية من نواحي الحياة إلا وعالجتها علاجًا شافيًا كافيًا· فظهرت أحكامها سواء في تسيير شؤون الأسرة والمجتمع، أو تنظيم شؤون الحكم والدولة · وهذّبت سلوك الفرد والجماعة، ونظمت العلاقة بين الراعي والرعية على أسس متينة وبشكل لم ترق إليه النظم الوضعية · ومن المسائل التي أفاض فيها فقهاء الإسلام هي ولاية القضاء لما لها من أثر بالغ في حسن تسيير شؤون المجتمع بشكل عام، ولأنه بالقضاء تشيع العدالة بين الناس، وتعصم الدماء، وتحفظ الأعراض والحقوق، ويحل العمار في الأرض، فالظلم كما قال ابن خلدون مؤذن بخراب العمران (1) ·

وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد حفظت الحقوق والحريات وصانت الأموال والأعراض، ورسمت قواعد الحلال، وفصّلت للأفراد من الأحكام ما ينظم حياتهم وشؤونهم اليومية، وللحكام مايرشد قرارهم، وبينت سبل الاحتكام للقضاء وجعلته أمرًا لازمًا، فإن تطبيق هذه القواعد الأصيلة والأحكام الرشيدة يحتاج إلى قضاء مستقل يبعث فيها الفعالية ويضفي عليها طابع الإلزام، ويقف في وجه كل معترض عنها أو متمرد عن تطبيقها · لذلك كان لزامًا أن تتوج الشريعة الإسلامية هذه الأحكام والقواعد بإقرار استقلال القضاء فترفعه شامخًا، ذلك أنه لاعدل دون قضاء، ولا قضاء دون حيدة، ولاحيدة دون استقلال ·

ولقد أحزنني كثيرًا ماسمعته في بعض المحاضرات أو ما قرأته في بعض المؤلفات أن كثيرًا من المبادىء التي تقرها العدالة، وهي راسخة في الشريعة الإسلامية تنسب عن قصد أو غير قصد من هنا وهناك للغرب · وكأن العالم كان يعيش في غياهب الجهل والظلم وعرف النور فقط والعدل في هذا العصر · وكم وقع في شباك المغالطة والخداع كثير من طلبتنا في البلاد الإسلامية الواسعة خاصة أولئك الذين تلقوا تعليمًا في الجامعات الغربية، فراحوا يمجدون عظماء الغرب وأنظمته ويباركون صنع أناملهم ·

وكنت كلما أسمع أو أقرأ عن مبدأ معين تقره العدالة، ويقال إنه مبدأ حديث، أتساءل في نفسي كيف تغفل شريعة الإسلام وهي التي حملت من مبادىء العدالة ماحملت عن التطرق لهذا المبدأ أو ذاك · وكيف يهمل فقهاء الإسلام وهم من بحروا في الفقه والتفتوا إلى كل صغيرة وكبيرة عن معالجة هذه المبادىء · وبالفطرة، وبفضل من الله عز وجل، كنت أتثاقل

(1) منشورات مجلة البحوث الفقهية المعاصرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت