الصفحة 2 من 22

هذا الكلام ولا أنساق نحو هذا الزعم · وإذا كانت كثير من الأنظمة الوضعية اليوم تتفاخر بمبادىء القضاء وضماناته كمبدأ الحيدة والاستئناف وضمان عدم قابلية القاضي للعزل وغيرها، فقد كان لشريعتنا السبق في إقرار هذه المبادىء والضمانات، وأفاض فيها فقهاء الإسلام بما لم يفض به قبلهم ولا بعدهم ·

المبحث الأول

مكانة القضاء في المجتمع الإسلامي

لاشك أن ولاية القضاء من أهم الولايات شأنًا وأعظمها أثرًا وأعلاها مرتبة في المجتمع الإسلامي · ذلك أن القاضي إذ يقيم العدل بين الناس فإنما يساهم بعمله هذا في تطبيق شرع الله والمحافظة على حقوق عباده ومنع الظلم والاعتداء أيًا كانت درجته وصورته، ورفع التهارج، وأداء الحق إلى مستحقيه، والإصلاح بين الناس ·

فالقاضي بعمله النبيل ورسالته الجليلة يهيىء للمجتمع سبل الأمن، ليطمئن كل مسلم وغير مسلم في دار الإسلام على نفسه وماله وعرضه · وتستقر بهذا الحقوق وتحفظ المبادىء، ويعم الأمن والطمأنينة ويسارع الناس إلى عمارة الأرض ·

وتتجلى لنا عظمة القضاء أن الله سبحانه وتعالى كلف به أنبياءه ورسله إلى جانب قيامهم بشرف تبليغ الرسالة للناس، قال جل شأنه: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (1) · وقال أيضًا: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه (2) · وقال تبارك وتعالى مخاطبًا نبيه داود: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله (3) ·

قال ابن كثير في تفسيره للآية 62 من سورة ص: هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد" (4) · وقال أحمد الجزائري في قلائد الدرر:"أي جعلناك خلفًا عمن كان قبلك من الأنبياء والرسل الذين أمنهم الله على وحيه وأودعهم أحكامه وحلاله وحرامه وأمر الناس بالرجوع إليهم" (1) ·"

وربط المولى عز وجل بين أداء الأمانة والقضاء، قال جل شأنه: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (2) · قال الإمام علي رضي الله عنه: على الإمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدي الأمانة وإذا فعل ذلك حق على الناس أن يسمعوا ويطيعوا وأن يجيبوا إذا دُعوا" (3) ·"

وأقسم الله سبحانه وتعالى بذاته ليرفع من مكانة القضاء ويبين علو همته من جهة، ونفي صفة الإيمان عمن لم يحتكم لشرعه بلجوئه للقضاء من جهة أخرى · قال جل شأنه: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا (4) · واستنادًا لما نزل من الذكر اعتبر فقهاء الإسلام القضاء كالإمامة والجهاد من فروض الكفايات إذ لايمكن أن يستقيم حال العباد وتحرم دماؤهم، وتحفظ أموالهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت