وأعراضهم دون قضاء يبسط سلطانه على الحاكم والمحكوم على المرأة والرجل على الصغير والكبير، ويفتح ساحته لكل مظلوم ·
وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم مكانة القضاة العدول يوم البعث، فعن عمرو ابن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم) (5) · قال القرطبي على منابر من نور يعني مجلسًا رفيعًا يتلألأ نورًا (6) · وقال صاحب الجامع الصحيح: على منابر من نور مقربون إلى الله مكرمون لديه مرتفعون على أماكن عالية ساطعة النور حتى كأنها مخلوقة من النور، وهو كناية على حسن حالهم وعلو مراتبهم (1) · وقال ابن قدامة:"وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء الحق فيه ولذلك جعل الله فيه أجرًا على الخطأ وأسقط عنه حكمه ولأن فيه أمرًا بالمعروف ونصرة للمظلوم وأداء الحق إلى مستحقيه ورد الظالم عن ظلمه وإصلاحًا بين الناس وتخليصًا لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب" (2) ·
وانطلاقًا من نصوص القرآن وأحكام السنة أدرك الصحابة رضوان الله عليهم أهمية القضاء وعظيم أجر من يقضي بين الناس وجعلوه من أعمالهم المفضلة والأكثر تقربًا لله عز وجل وابتغاء مرضاته، إذ روي عن ابن مسعود أنه قال:"لأن أجلس قاضيًا بين اثنين أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة" (3) ·
وقد كتب عمر بن عبدالعزيز لأحد أعوانه حينما سأله عن تحصين المدينة قال:"حصنها بالعدل ونق طريقها من الظلم" (4) · وخطب سعيد بن سويد بحمص فقال: ..."أيها الناس إن للإسلام حائطًا منيعًا وبابًا وثيقًا فحائط الإسلام الحق وبابه العدل ولا يزال الإسلام منيعًا ما اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلًا بالسيف ولا ضربًا بالسوط ولكن قضاء بالحق وأخذ بالعدل" (5) · ووصف الإمام علاء الدين الطرابلسي القضاء بأنه:"من أجل العلوم قدرًا وأعزها وأشرفها ذكرًا لأنه مقام عليٌّ ومنصب به الدماء تعصم وتسفح، والأبضاع تحرم وتنكح، والأموال يثبت ملكها ويسلب والمعاملات يعلم مايجوز فيها ويحرم ويكره ويندب" (6) · وقال النباهي:"··· تلك خطة الأنبياء ومن بعدهم فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة من القضاء" (1) ·
وقد أرسى أسلافنا لولاة الأمور من القواعد ما يحفظ شرف الوظيفة القضائية ويصون قدرها، فقد كتب الإمام علي رضي الله عنه لواليه الأشتر النخعي مايلي:"ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ···"وقال له أيضًا:"··· وأفسح له في البذل مايزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك مالايطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك ···" (2) · وهذا العلامة ابن فرحون ينصح ولاة الأمور فيقول:"وينبغي للإمام أن يتفقد أحوال قضاته فإنهم قوام أمره ورأس سلطانه" (3) ·
هكذا نظر الأولون من هذه الأمة إلى ولايةالقضاء على أنها من أسمى الولايات وأجلها رفعة وقدرًا، حتى إن جلال وظيفة القضاء وسمو مكانته وخطورة أمانته دفعت كثيرًا من العلماء والصالحين إلى الامتناع عن توليه، فقد ثبت عن الإمام أبي حنيفة أنه رفض أن يتولى القضاء في زمن ابن أبي هبيرة حتى بلغ به الأمر إلى الضرب والحبس ·