وقد عبر الإمام أبو حنيفة أبلغ تعبير حينما سئل عن سبب امتناعه قال لابن فرّوخ:"القضاة ثلاثة رجل يحسن العوم فأخذ البحر طولًا فما عساه أن يعوم يوشك أن يكل فيغرق ورجل لابأس بعومه عام يسيرًا فغرق ورجل لايحسن العوم ألقى بنفسه على الماء فغرق من ساعته" (4) ·
ونرى مع جملة من الباحثين أن موقف الإمام أبي حنيفة من القضاء مبعثه إيمانه باستقلال القضاء الأمر الذي وجده غير سائد في تلك الفترة ففضل الامتناع عن التولية (1) · وتحمل صفحات التاريخ الإسلامي أحداثًا كثيرة من أن تذكر، وسيرًا وشواهد عديدة من أن تحصر تؤكد كلها سمو مكانة القضاء وجلاله وعظمة شأنه ·
المبحث الثاني
مفهوم مبدأ الاستقلال
انطلاقًا من مكانة القضاء وسمو رسالته في المجتمع الإسلامي حرصت الشريعة الإسلامية على منح القاضي من الوسائل مايجعله مستقلًا بالرأي بعيدًا عن تأثير الجهة التي عينته، غير خاضع في أداء مهامه لغير النص · قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين ولاه قضاء اليمن: (بم تقضي يامعاذ؟) · قال: بكتاب الله · قال: (فإن لم تجد؟) قال: فبسنة رسوله· قال: (فإن لم تجد؟) قال: أجتهد رأيي ولا آلو· قال صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) (1) ·
وتأسيسًا على ماتقدم فقد حمل هذا الحديث أسمى معاني الاستقلال وأرقى صوره، فلم يلزم القاضي بالخضوع سوى للنص الأعلى مرتبة والأكثر إلزامًا · فإن لم يجد في نصوص القرآن مايحكم الواقعة التي بين يديه لجأ إلى السنة، وإن لم يجد فيها مايقطع المشاجرة ويحسم الخلاف اجتهد برأيه لفضها ·
ومنه يتضح أن الشريعة منحت القاضي السلطة الكاملة والإرادة التامة والحرية المطلقة لفض المنازعات بعيدًا عن المؤثرات التي تتنافى مع العدالة والإنصاف ·
ولما كان من الثابت أن الحقوق تحفظ بالقضاء، وأن الحريات تصان بالقضاء، والنصوص تطبق بالقضاء، والعدل يتحقق بالقضاء، وعمارة المجتمع تكون بالقضاء، فينبغي بالمقابل أن يكون للقضاء مظهر يناسب عظمة رسالته، هو مظهر الاستقلال · وإذا كانت مهمة القاضي هي الإخبار عن حكم شرعي (2) فينبغي أن يترك له المجال للقيام بهذا الإخبار وفق ماتقضي به قواعد الشريعة وأحكامها، وتبعًا لما توصل إليه فهمه واجتهاده · وطالما كان العلم بإجماع الفقهاء شرطًا لازمًا لتولية القضاء فيصبح من الضرورة الاعتراف للقاضي بالحرية الكاملة في استخدام علمه على الحالات المعروضة عليه دون الخضوع لأي أمر أو توجيه من أي أحد، لأن طبيعة عمله وخصوصية ولايته تفرض الاعتراف له بالاستقلال ·
ويقصد باستقلال القضاء:"ألا يخضع القضاة في ممارستهم لعملهم لسلطان أي جهة أخرى وأن يكون عملهم خالصًا لإقرار الحق والعدل خاضعًا لما يمليه الشرع والضمير دون"