الصفحة 5 من 22

أي اعتبار آخر" (1) ·"

ويقتضي مبدأ الاستقلال الحيلولة دون تدخل أي جهة مهما كانت طبيعتها في أعمال القضاء لتوجهه وجهة معينة، أو لتعرقل مسيرته، أو لتعرض عن أحكامه · كما تقتضي أن يحاط القضاة بسياج من الضمانات مايقيهم كل تجاوز أو اعتداء من شأنه أن يخدش المبدأ المذكور ويعدم آثاره ·

ولقد دأب الخلفاء الراشدون ومن بعدهم على معاملة قضاتهم انطلاقًا من هذا المبدأ فرفعوا أيديهم عن القضاء وابتعدوا عن التدخل في شؤونه · ويروي لنا تاريخ القضاء الإسلامي وقوف كثير من الخلفاء والولاة والوزراء وقادة الجيوش أمام القضاء كغيرهم · فقد عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه لعلي وزيد بن ثابت القضاء فلقي رجلًا فقال له: ماصنعت بخصومتك؟ قال: قضى علي وزيد بكذا · قال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا · قال الرجل ومايمنعك والأمر إليك؟ قال عمر: لو كنت أردك إلى نص في كتاب الله أو في سنة رسوله لفعلت ولكن أردك إلى اجتهاد والرأي مشترك ولم ينقض ماحكم به زيد وعلي (2) · وروي أن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب اختصما إلى زيد بن ثابت فآتياه في منزله فقال له عمر آتيناك لتحكم بيننا في بينةتؤتي الحاكم فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال هاهنا يا أمير المؤمنين فقال له عمر: جرت في أول القضاء ولكن أجلس مع خصمي فجلسا بين يديه (3) ·

وفي زمن الخليفة عمر بن عبدالعزيز تظلم أهالي سمرقند ضد القائد قتيبة بن مسلم الباهلي على أنه دخل مدينتهم غدرًا ولم يوجه لهم الإنذار · فكتب الخليفة لعامله في العراق ليختار لهم قاضيًا فاختار جميع بن حاضر الباجي فسمع شكواهم وأمر بخروج جيش المسلمين من مدينة سمرقند (1) ·

ومن هنا لم يغتر الخليفة بنشوة الانتصار، كما لم يدفع بمبدأ السيادة (2) لتبرير هذا التصرف، ولم يبادر القائد قتيبة وهو من أذل كثيرًا من الملوك وحقق الله على يده فتوحات كثيرة بالإعراض عن حكم القاضي كما لم يحتج بأن الحرب خدعة · بل كان على الخليفة أن يحتكم للقضاء، للفصل في هذه المظلمة وكان على القائد أن يمتثل لحكم القاضي وهو ما حدث فعلًا ·

وقال الكندي:"لما تولى توبة بن نمر القضاء قال لزوجته عفيرة: يا أم محمد أي صاحب كنت لك؟ قالت: خير صاحب وأكرمه · قال: فاسمعي لاتعرضن لي في شيء من القضاء ولا تذكريني بخصم ولا تسألي حكومة فإن فعلت شيئًا من هذا فأنت طالق" (3) ·

ويتجلى استقلال القضاء في المجتمع الإسلامي في حرص الحكام والمحكومين على حفظ هيبة القضاء والتوقير اللازم للقضاة فقد روى العتبي أن إبراهيم المهدي قال:"إذا نازعت أحدًا في مجلس القضاء فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتك ولا أشرت إليه بيد وليكن قصدك أممًا وطريقك نهجًا وريحك ساكنة ووف مجالس الحكومة حقوقها من التوقير والتعظيم والتوجه إلى الواجب" (4) ·

ومن ذلك كله نستنتج أن الاستقلال صفة ملازمة للقضاء لايمكن فصلها عنه حتى أننا إذا تصورنا أن للاستقلال حيزًا واحدًا فلا يمكن أن يكون خارج ساحة القضاء · وبدونه يغدو القضاء مجرد مصلحة تابعة مقودة تؤمر فتنفذ ويطلب منها فتستجيب · وصدق الدكتور محمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت