الصفحة 6 من 22

العصفور حين قال:"هل يمكن أن يكون للقضاء وجود إذا لم يعترف له بكيان متميز ومستقل؟" (1) ·

وإذا كانت طبيعة القضاء أن يكون مستقلًا - ولايمكن أن يكون غير ذلك - فكل إخلال بمبدأ الاستقلال يؤدي حتمًا للمساس بجلال القضاء وكل تدخل أيًا كان نوعه ومصدره في شؤون القضاء يخل بميزان العدل ·

ولاشك أن القصد من إقرار هذا المبدأ هو أن تشيع في نفوس المتقاضين روح الثقة والاطمئنان إلى أن يتم الفصل في منازعاتهم وأقضيتهم بإرادة من القاضي وحده بعيدًا عن كافة الأهواء وكل أشكال المؤثرات (2) ·

المبحث الثالث

استقلال القضاء وحصانة القاضي

إذا كانت الشريعة الإسلامية قررت استقلالية القضاء كما رأينا فإن التساؤل الذي يطرح هل وضعت بالمقابل من الضمانات مايحفظ مبدأ الاستقلال؟ · وهل هيأت للقاضي من الأسباب مايؤمنه ضد نفوذ السلطة أو خطر الأفراد؟ ·

إن الإجابة تفرض علينا استعراض مختلف أنواع الحصانة التي قدرتها الشريعة بهدف المحافظة على مبدأ الاستقلال · لذلك قسمت هذا المبحث إلى مطالب ثلاثة تناولنا في المطلب الأول الحصانة الإدارية للقاضي وفي الثاني الحصانة المدنية · وخصصنا الثالث للحصانة الجنائية وهو ما سنحاول تفصيله تباعًا فيما يلي:

المطلب الأول

الحصانة الإدارية للقاضي

لاريب أن الشريعة التي استهدفت العدل وحفظت الحقوق وصانت الحريات لايمكن بحال من الأحوال أن تغفل عن إقرار مبدأ الاستقلال باعتباره روح العدالة وضمانة أساسية لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، وإذا كان قد تقدم معنا البيان أن الشريعة الإسلامية حفظت للقاضي استقلاله، فقد تبع هذا الاستقلال ضمانات حفظت مضمونه وفحواه ورفعت من شأنه لعل أولها هي الحصانة الإدارية · وحبذنا تفصيل هذه النقطة في فروع ثلاثة · تناولنا في الفرع الأول حصانة القاضي في مجال التعيين وفي الثاني حصانة القاضي في ممارسة العمل القضائي وفي الثالث حصانة القاضي في مجال العزل ·

الفرع الأول: حصانة القاضي في مجال التعيين:

أجمع فقهاء هذه الأمة أن تعيين القضاة أمر منوط بالإمام أو رئيس الدولة كما يطلق عليه في التشريعات الحديثة · وفي ذلك قال الإمام الماوردي:"فأما الأصل فهو الإمام المستخلف على الأمة فتقليد القضاء من جهته فرض يتعين عليه لأمرين اثنين أولهما لدخوله في عموم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت