ولايته· وثانيهما أن التقليد لايصح إلا من جهته ·" (1) ·"
ومن الحكم المذكور يتضح لنا أن الشريعة الإسلامية أخذت في تقليد القضاة بنظام التعيين وهجرت بذلك نظام الانتخاب لما قد يترتب عنه من مساوىء تمس حسن سير جهاز العدالة في حد ذاته (2) · وفي ذلك قيل:"اعلم أن القضاء لايصح أن يولاه القاضي من جهة العوام وإنما يولاه من جهة الإمام" (3) ·
ويملك الإمام عند تقليد القضاة أن يحدد لهم البلد الذي قلدهم القضاء فيه كما يحدد لهم صفة الحكم فإن أطلق كان العموم دون الخصوص (4) · قال الماوردي:"ولا تخلو ولاية القاضي من عموم أو خصوص، فإن كانت ولايته مطلقة التصرف في جميع ماتضمنه فنظره مشتمل على عشرة أحكام ···" (5) · وحتى يدرك الناس عظمة القضاء وثقل أمانة القاضي حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على الترهيب من القضاء حتى لايكون وظيفة عادية يسعى ضعاف النفوس لطلبها ويطمعون في البقاء فيها أو استعمال سلطانها ونفوذها · فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين) (6) · قال الحافظ ذبح بغير سكين أن الذبح بالسكين يحصل بعد إراحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها فإذا ذبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها (1) ·
وبين الرسول صلى الله عليه وسلم خصال القضاة وأصنافهم وجزاء كل صنف قال صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار · فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) (2) · قال المناوي:"في هذا الحديث إنذار للقضاة التاركين للعدل والأعمال المقصرين في تحصيل رتب الكمال" (3) ·
وإذا كانت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم منها مارغب في القضاء ومنها مارهب منه (4) ، فإن الحديث المذكور عن أصناف القضاة فيه ترغيب للقضاة الذين عرفوا الحق وعلموه وعملوا به في أحكامهم فأنصفوا وعدلوا فكانت الجنة جزاؤهم · وفيه ترهيب للقضاة الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به أو لم يعرفوا الحق أصلًا وكانوا غير أهل لتقلد وظيفة القضاء فعبثوا بها واستهتروا بحقوق المتقاضين وأساءوا لأمانة الله على خلقه فهؤلاء مثواهم النار ·
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الصحابة من الإسراع في تقلد الإمارة والقضاء فعن أبي ذر قال: قال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تآمرن على اثنين ولا تتولين مال يتيم) (5) · فالقاضي بشر يسري عليه مايسري على غيره من الخضوع للأهواء والرغبات، لذا حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تنويره وإنذاره وبيان عاقبة أمره، إن هو جنح للهوى وأعرض عن العدل · ولاعجب في ذلك طالما أمر المولى عز وجل نبيه داود في الآية المذكورة، ومن خلاله كل قاض وحاكم بأن يكون الحق قبلته والعدالة مبتغاه والإنصاف منهجه وغايته ·
وفي هذا المعنى قال عمر بن عبدالعزيز"لايصلح للقضاء إلا القوي على أمر الناس المستخف بسخطهم وملامتهم في حق الله والعدل والقصد استفاد ثمنًا ربيحًا من رضوان الله" (1) ·
وقد ألزم الإمام بمراعاة شروط معينة قبل التولية، قال العلامة علي بن محمد حبيب البصري