الماوردي:"ولا يجوز القضاء إلاممن توافرت فيه شروطه التي يصح معها تقليده وينفذ بها حكمه" (2) · وحددها بسبعة هي الذكورة مع البلوغ والعقل والحرية والإسلام والعدالة وسلامة السمع والبصر والعلم ·
ورغم ما اتسم به القضاء الإسلامي من رفعة المكانة وسمو الأحكام التي تنظمه إلا أن البعض تجرأ متطاولًا بأن وصف القضاء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالغموض قال علي عبدالرزاق أحد مشايخ الأزهر في العشرينات في كتابه الإسلام وأصول الحكم مايلي:"لاحظنا أن حال القضاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غامضة ومبهمة من كل جانب حتى لم يكن من السهل على الباحث هل ولى عليه الصلاة والسلام أحدًا غيره القضاء أم لا" (3) وشكك في الروايات التي تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولى القضاء لأشهر الصحابة علي ومعاذ وعمر وقصر دورهم فقط في تعليم الناس القرآن في البلاد المختلفة · ويمكن الرد على ماذهب إليه الشيخ المذكور بما يلي:
1 -إن القضاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غامضًا مبهمًا بل كان نورًا ونبراسًا اهتدى به الصحابة فيما بعد · أو لم يكن الصديق يخرج في الناس قائلًا حين يعرض عليه الأمر: هل علمتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بكذا وكذا؟ فإن قال بعضهم نعم، قال الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا (1) ·
2 -لقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفصل في القضايا المعروضة عليه على تهيئة الصحابة للقضاء بتلقينهم أصوله وآدابه وأحكامه فحثهم على سماع المتخاصمين والمساواة بينهم وبين لهم أجر القاضي وخطورة منصب القضاء وغيرها من المبادىء ·
3 -ثبت بالحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولى علي بن أبي طالب القضاء قال علي رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيًا فقلت يارسول الله أترسلني وأنا حديث السن ولاعلم لي بالقضاء · فقال: (إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء) (2) · كما ثبت وبالحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قلد معاذًا القضاء في الحديث المذكور (3) · وإذا كان النبي قد عهد إليهما مهمة تعليم الناس أمور دينهم وتحفيظهم القرآن فهذا شرف كبير لمن تقلد القضاء ·ولايعني أن القضاء كان غامضًا كما ذهب الشيخ المذكور ·
4 -إن القضاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عرف تطورًا كبيرًا خاصة أن العرب أيام الجاهلية كانوا فرقًا وقبائل متناحرة، تعتز بعدم ولائها لأحد وتعقد الحرب لأتفه الأسباب وأبسط الأمور ويسير القضاء فيها والحكم على الضعيف دون الشريف، فكيف يتصور أن يكسر هذا الكبرياء وتركن هذه الأنفة والجبروت ويوحد من كانوا تحت رايات مختلفة، إنها معجزة الإسلام، وعدالته ·
ونجد أنفسنا ونحن نسوق هذه الحجج نميل إلى ماذهب إليه البعض من أن هذا الكلام الذي كتبه الشيخ الأزهري يحمل بين طياته رائحة المستشرقين وسعيهم الكبير في