الصفحة 9 من 22

الفصل بين الدين والدنيا (4) ·

ومن ذلك كله يتبين لنا أن تقليد القضاة كغيره من الولايات يعد أمانة ينبغي أداؤها لمستحقيها أحسن أداء وفي أفضل صورة قال تعالى: يا أيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (1) · وقال عمر بن الخطاب: (ما من أمير أمر أميرًا أو استقضى قاضيًا إلا كان عليه نصف ما اكتسب من الإثم) (2) · غير أنه ما إن توسعت الدولة الإسلامية وزادت أعباء الخليفة حتى طرأ على إجراءات التعيين هذه تعديل في زمن هارون الرشيد فتم إنشاء وظيفة جديدة سميت بوظيفة قاضي القضاة (3) · فكان هذا الأخير بعد اختياره من قبل الخليفة يعمل بدوره على تعيين القضاة في مختلف البلاد الإسلامية، ويراجع أحكامهم، ويتفقد أمورهم، ويتحسس سيرتهم بين الناس ·

ومن جميع ماتقدم يتجلى لنا أن أول حصانة حرصت الشريعة على إمدادها للقاضي هي وجوب تعيينه من قبل الإمام باعتباره ممثل الأمة وراعي مصالحها والقائم على تسيير شؤونها · وقد رأينا أن الإمام هو الآخر مقيد في اختياره بشروط معينة يجب توافرها في المرشح للقضاء وكذلك بمراعاة ضوابط المصلحة وما تقتضيه من وجوب اختيار الأصلح فالصالح · ولاشك عندنا أن تعيين القاضي من قبل الإمام فيه دعم لمركزه بين الرعية وحفظ مهابته وحماية له تجاه ذوي السلطة والنفوذ ·

الفرع الثاني: حصانة القاضي في ممارسة العمل القضائي

إذا كانت الشريعة الإسلامية قد حرصت أيما حرص على تجسيد مبدأ استقلال القضاء بما يساير روح العدالة ويتماشى ورسالة القضاء، فإنها من جهة أخرى سعت إلى توطيد العلاقة بين القضاة والخلفاء حال ممارسة العمل القضائي على نحو يحقق مقاصد الشريعة وأهدافها ·

ولقد سبقت الإشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا قال له بم تقضي؟ فأجاب بكتاب الله· قال فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسوله قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو"· ومن خلاله اعترف الرسول للقاضي بالخضوع فقط للنص وأن يستلهم منه الحكم فإن لم يجد رخص له بأن يجتهد ·"

ولما تولى الخليفة أبوبكر الصديق الخلافة حرص على اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحد عنه فكان إذا عرض عليه النزاع لجأ لكتاب الله فإن وجد فيه الحل قطع المشاجرة بموجب نص قرآني، وإن لم يجد لجأ للسنة، وإن لم يجد لجأ لمشاورة أهل الرأي · ومما يروى عنه في هذا المجال أنه إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة دعا رجال من المهاجرين والأنصار كعمر وعلي وعبدالرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت · ولا عجب في ذلك طالما كان هو القائل:"أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم" (1) ·

وذكر الشيخ عبدالوهاب خلاف وهو يكتب عن هذه المرحلة من مراحل الخلافة الأولى أن فقهاء الصحابة كانوا متقاربين ومن الميسور جمعهم وعرض الحارث عليهم وكان التشريع سواء أكان تفهمًا للنص أو اجتهادًا بالقياس يصدر عن جماعتهم لا عن فرد (2) ·

وليس هذا تقليلًا من شأن القضاء بل هو شرف لرسالة العدالة أن يتولاها الخليفة نفسه أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت