من يختاره · وشرف للقاضي أن يستشير استخراجًا لوجه الرأي · وإذا كانت الحكمة من مبدأ الفصل بين السلطات اليوم هو عدم تدخل كل سلطة في أعمال سلطة أخرى، فإننا على يقين تام مطلق أن الصديق بخصاله المعروفة في الجاهلية، ثم في الإسلام، لايمكن أن يتدخل في أعمال الولاة وهم يفصلون في قضايا الناس ·
وأراد الله أن تشهد الدولة الإسلامية توسعًا في خلافة عمر فدخل الناس من كل الأجناس والألوان والأمصار في دين الله مما استوجب الحكم فيما بينهم بما أنزل الله · ودفع هذا الاتساع والتزايد الخليفة من أن يفكر في فصل ولاية القضاء عن الولاية العامة حتى يتفرغ هو لأعباء الحكم وإدارة شؤون الدولة من مال ودفاع وأمن وسياسة خارجية وغيرها ·
ولاغرابة في أن يصل عمر لأن يشيد العدالة على أسس صحيحة صلبة وهو من بسطت عدالته المقيم والمسافر، الكبير والصغير، المسلم وغير المسلم (1) · قال الشعبي:"من سره أن يأخذ بالوثيقة بالقضايا فليأخذ بقضاء عمر فإنه يستشير" (2) ·
ومما يروى عنه ماكتبه للقاضي شريح:"··· مافي كتاب الله وقضاء النبي فاقض به فإن أتاك ماليس في كتاب الله ولم يقض به النبي فما قضى به أئمة العدل فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيك وإن شئت أن تؤامرني ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم لك" (3) ·
إن هذا الكتاب المذكور يلزم القاضي فقط بالخضوع للنص وأن يستلهم أحكامه من القواعد الشرعية كتاب الله وسنة رسوله · وإذا كان الخليفة عمر بن الخطاب قد غلب جانب الاستشارة على الاجتهاد وفق ماهو مذكور، فإن ذلك لايعني فرض رقابة أو وصاية على القاضي أو إعدام إرادته أو إلزامه بالرجوع للسلطة التي عينته في حالة عدم وجود نص · بل الأمر فيه تأكيد على المشاورة لاغير ·
ولم يحد الخليفة عثمان عن منهج الصديق والفاروق · وكان أكثر الناس مشورة في السلم والحرب · إذ يروى عنه أنه إذا جاءه الخصمان قال لهذا اذهب فادع عليًا وللآخر فادع طلحةبن عبيد الله والزبير وعبدالرحمن فجاءوا فجلسوا فقال لهما تكلما ثم يقبل عليهم فيقول أشيروا عليَّ (4) ·
وانطلاقًا من هذه الرواية الواردة في أخبار القضاة لوكيع ذهب البعض إلى القول أن القضاء في زمن عثمان عرف تغييرًا فلم يعد لقضاة المدينة خاصة وهم علي وزيد بن ثابت والسائب بن يزيد استقلال بالرأي بل أصبح هؤلاء بمثابة مستشارين للخليفة الذي يستدعيهم حين ترفع الخصومة إليه · وفي ذلك كتب الدكتور أحمد عبدالمنعم البهي:"··· إنه رضي الله عنه لم يجعل لأحد ممن ولاهم عمر رضي الله عنه قضاء المدينة والاستقلال بالفصل في قضية من القضايا · وأنهم يستشارون فقط فيما يعرض عليه من خصومات ··· ومعنى ذلك أنه أعفاهم من ولاية القضاء وأبقاهم مستشارين" (1) ·
ولا نؤيد الدكتور أحمد عبدالمنعم البهي فيما ذهب إليه من زوايا عدة أبرزها:
1 -إن لجوء الخليفة عثمان لعلي وأصحابه واستشارته إياهم لايعني أنه خلع عنهم القضاء · بل لا يعدو الأمر ضربًا من ضروب المشاورة لاغيره ولا عجب في ذلك طالما كان الخليفة الصديق من قبله يخرج في الناس متسائلًا مستشيرًا ·
2 -إن الخليفة معقود له أن يتولى القضاء بين الناس قال ابن خلدون"أما القضاء فهو من"