الوظائف الداخلة تحت الخلافة لأنه منصب الفصل بين الناس حسمًا للتداعي وقطعًا للتنازع" (2) · وطالما كان الأمر كذلك فلا عجب أن يفصل الخليفة في الخصومات ولا يعد فعله هذا خلعًا لقضاته ولو كانوا في ذات المكان ·"
3 -إن استدعاء الخليفة لعلي وأصحابه لدليل قاطع على حاجته لرأيهم واعترافًا صريحًا منه بعلمهم وفقههم وطالما كانوا بهذه الخصال وعلى هذا الحال فلا نعتقد أن يكون عثمان رضي الله عنه قد أعفاهم من القضاء في زمانه كما ذهب إلى ذلك الدكتور البهي ·
ومشابه لهذا الرأي ماذهب إليه الدكتور جبر محمود الفضيلات وهو يلخص القضاء في زمن ذي النورين فذكر جملة من الخصائص منها:"··· عدم استقلال القضاء استقلالًا تامًا بل بقي الأمر في المدينة في يد الخليفة، وبقي استشارة القضاة والولاة للخليفة في إصدار الأحكام وماصعب من القضايا" (3) ·
ونجد في كلام الدكتور الفضيلات صفة مطلقة ماكان يجب أن تبنى على رواية واحدة ذكرها صاحب أخبار القضاة من أن عثمان كان يستشير في المدينة عليًا وأصحابه قبل أن يقضي بين الناس · وفي ذلك كما قال دلالة على عدم استقلال القضاء وتبعيته للخليفة ·
وإذا كنا نعتقد اعتقادًا جازمًا أن مبدأ الشورى هو في مبدأ في الدولة الإسلامية أمر الله به رسوله، ودأب النبي صلى الله عليه وسلم على اتباعه في السلم والحرب، والخلفاء من بعده، إلا أننا نخشى أن يفهم كلام الدكتور جبر محمود الفضيلات بصفة سيئة ويعطى له تأويل غير ماقصده صاحبه · ذلك أن النتيجة التي انتهى إليها الدكتور من أن القضاء لم يكن مستقلًا استقلالًا تامًا قد تدفع البعض إلى التصور والاقتناع بأن الخلفاء كانوا ضد مبدأ الاستقلال وكثيرًا ما يتدخلون في شؤون القضاة · وهذا أمر يجافيه الصواب ويكذبه تاريخ القضاء الإسلامي وسيرة الخلفاء ·
ولم يتوان علي رضي الله عنه في إحقاق الحق واتباع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده حين الفصل في دعاوى الخصوم · وتعد أحكامه سواء التي أصدرها في زمن النبي أو في خلافته وكذلك اجتهاداته مضرب مثل بالنسبة لموقفه من مبدأ الاستقلال جسد رضي الله عنه المبدأ أحسن تجسيد في أكثر من حادثة لعل أشهرها حادثة الدرع مع الذمي · إذ يروى أنه رضي الله عنه افتقد درعه وبينما هو بسوق الكوفة حتى رأى درعه عند رجل من أهل الذمة فقال علي: هذه درعي · فقال الرجل إنها لي فتحاكما إلى شريح القاضي · فطلب القاضي من الإمام علي إثبات ادعائه بشاهدين فقال: هذا ابني الحسن ومولاي قنبر · فقال القاضي: لكن شهادة الابن لأبيه لاتجوز يا أمير المؤمنين · فصمت علي رضي الله عنه برهة ثم قال خذها فليس عندي شاهد · قال الذمي: يالله أمير المؤمنين يقاضى أمام قاضيه وقاضيه يقضي لي عليه ثم نطق بعدها بالشهادة (1) · وليست هذه القصة من نسج الخيال بل هي واقع عاشه المسلمون بعد أن تأصلت فيهم العقيدة، فها هو القاضي يوقف أمير المؤمنين -وهو من قلده القضاء - مع خصمه ويطلب منه إثبات مايدعيه فلما سقطت الحجة أبطل دعواه ولم يخش في الله لومة لائم · وما أعجب صنع الأمير علي رضي الله عنه فلم تأخذه عزة المنصب ولم يغتر به وهو يسمع في ساحة القضاء أن قاضيه الذي ولاه رفض الشهادة التي قدمها · إنها عدالة الإسلام تسري على الجميع دون استثناء أو امتياز في مجال الإجراءات فلم تعقد الجلسة