سرًا بل مرت كغيرها من الجلسات وتناقلتها الألسن كسائر الدعاوى الأخرى ·
ولا أحد يستطيع أن ينكر ما لنظام المشاورة من فوائد تمكن القاضي من الاستئناس برأي غيره قبل إصدار حكمه في المسائل التي لم يصدر بشأنها نص · قال العلامة ابن تيمية:"لاغنى لولي الأمر عن المشاورة فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم قال جل شأنه: فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر (1) · وقال ابن القيم:"استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجًا لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم وأمنًا لعتبهم وتعرفًا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض وامتثالًا لقوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم (2) ·
إن نظام المشاورة على هذا النحو يشكل عاملًا أساسيًا من عوامل تعاون السلطة التنفيذية والقضائية بهدف الوصول إلى اجتهاد يحقق مقاصد الشريعة ويساير أحكامها · كما يمثل صورة من صور حماية القاضي من الوقوع في الخطأ ·
وإذا كانت الشريعة قد اعترفت للقاضي في ممارسة العمل القضائي وألزمته فقط بالخضوع للنص بحسب ما تبين لنا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، إلا أن ذلك لايعني أنها فصلت بين السلطتين التنفيذية والقضائية فصلًا مطلقًا، بل أحدثت جسرًا من العلاقة بينهما تجسدت في نظام المشاورة · وقد تجلى لنا ذلك في قول عمر بن الخطاب"··· إن شئت أن تؤامرني أو أن تجتهد رأيك ···"· وتحمل هذه الحادثة أسمى درجات الاستقلال وأبلغ صوره وأرقى معانيه، فكما ندبت للقاضي استشارة الخليفة فيما لم يرد بشأنه نص، ندبت له اللجوء للاجتهاد وله أن يختار السبيل الذي يراه مناسبًا له بحسب كل واقعة ·
ونعتقد أن نظام المشاورة على هذا النحو يحمل بين طياته مبدأ الاستقلال، وذلك لأن القاضي حر مخير إن شاء استشار وإن شاء اجتهد، وإن استشار في أمر ما عرض عليه لايلزم بالأخذ برأي من استشاره وفي ذلك تتجلى أسمى مظاهر الاستقلال ·
الفرع الثالث: حصانة القاضي في مجال العزل
إن الدارس لتاريخ القضاء في الأمم والشعوب الماضية يلاحظ أول مايلاحظ أن السلطة التنفيذية امتلكت على مر العصور من وسائل الضغط الإدارية ما استطاعت بها أن تجعل القضاء تحت جناحها مأمورًا بأمرها خاضعًا لأهوائها وتجاوزاتها · ولم يكن بوسع القضاة في ظل هذا النظام مخالفة السلطة التنفيذية أو الاعتراض على أمرها · فكثيرهم القضاة من أصدروا أحكامًا عادلة على مدى التاريخ فكانت سببًا موجبًا لخلع الصفة القضائية عنهم · لذلك كان لزامًا التفكير في حصانة القاضي ضد العزل كإحدى أهم صور الاستقلال، إذ لا يتصور أن يكتب للاستقلال حياة ووجود إذا كان القاضي مهددًا كل لحظة بتجريده من الصفةالتي يحملها ·
وإذا كانت قواعد العدالة تقتضي أن ينظر القاضي في النزاع المعروض عليه محررًا من أي قيد أو تأثير، فإن ذات القواعد توجب تأمينه وتحصينه وظيفيًا بتنظيم العلاقة بينه وبين الجهة القائمة بالتعيين ·
ولقد نظر فقهاء هذه الأمة لمبدأ الحصانة ضد العزل نظرة خاصة واختلفوا بشأنه بين مؤيد ومعارض ومتحفظ نوجز خلافهم الفقهي فيما يلي:
الاتجاه الأول: