وقال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] .
قال ابن حجر الهيتمي: في"الزواجر" [7] ما مختصره:
"جُعِل قتْلُ النفس الواحدة كقتْل جميع الناس؛ مبالغة في تعظيم أمْر القتل الظُّلم، وتفخيمًا لشأنه؛ أي: كما أنَّ قَتْل جميع الناس أمرٌ عظيم القُبح عند كلِّ أحد، فكذلك قتل الواحد يجب أن يكون كذلك، فالمرادُ مشاركتهما في أصل الاستعظام لا في قَدْره؛ إذ تشبيه أحد النظيرين بالآخر، لا يقتضي مساواتهما من كلِّ الوجوه، وأيضًا فالناس لو عَلِموا من إنسان أنه يريد قَتْلهم، جَدُّوا في دَفْعه وقتْله، فكذا يلزمهم إذا عَلِموا من إنسان أنه يريد قَتْل آخر ظُلمًا أن يَجِدُّوا في دَفْعه، وأيضًا مَن فعَل قتلًا ظُلمًا، رجَّح داعية الشر والشهوة والغضب على داعية الطاعة، ومَن هو كذلك يكون بحيث لو نازَعه كلُّ إنسان في مطلوبه وقدَر على قَتْله، قتَله، ونيَّة المؤمن في الخيرات خيرٌ من عمله كما ورَد، فكذلك نيَّته في الشر شرٌّ من عمله، فمَن قتَل إنسانًا ظُلمًا، فكأنما قتَل جميع الناس بهذا الاعتبار"؛ ا. هـ.
وفي الأحاديث النبويَّة الصحيحة تحذيرٌ من القتل بغير حقٍّ، ولقد جعَل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - القتل من كبائر الذنوب وأعظمها بعد الكفر بالله، وأكتفي هنا - منعًا للإطالة - بحديث واحدٍ في الصحيحين وفيه الكفاية، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( اجْتَنبوا السبع المُوبقات ) )، قالوا: وما هنَّ يا رسول الله، قال: (( الشِّرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ، وأكْل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحف، وقَذْف المُحصنات المؤمنات الغافلات ) ) [8] .
وقال ابن تيميَّة - رحمه الله - في"الاستقامة" [9] ما مُختصره:
"وترتيب الكبائر ثابت في الكتاب والسُّنة؛ كما في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال:"قلتُ: يا رسول، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: (( أن تجعلَ لله ندًّا وهو خَلَقك ) )، قلت: ثم أي؟ قال: (( أن تقتلَ ولَدك خشية أن يَطعمَ معك ) )، قلت: ثم أي؟ قال: (( أن تُزاني بحليلة جارك ) ) [10] . وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] .