أولًا: من أنواع الإسراف المحرَّم:
وهي كثيرة، ونكتفي هنا بطرح ثلاثة أنواع على سبيل المثال لا الحصر، واجْتَهدت في بيان أشدِّ الأنواع من وجهة نظري ضررًا على الفرد والمجتمع، والله المستعان.
1 -الإسراف في القتل:
القَتْل كبيرة من كبائر الذنوب وأعظمها، عدا الشِّرك، ولَم يُبح الشرع القتل إلاَّ في أضيق نِطاق؛ كالقصاص من القاتل، وقَتْل المُرتد عن دينه، وما أشبه ذلك؛ حتى تستقيمَ حياة الناس: دينًا ودنيا؛ قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .
قال الشوكاني في فتح القدير [6] ما مُختصره:
"والمراد بالتي حرَّم الله: التي جعَلها معصومة بعصمة الدين أو عصمة العهد، والمراد بالحق الذي استثناه: هو ما يُباح به قتْل الأنفس المعصومة في الأصل، وذلك كالرِّدة والزنا من المُحصن، وكالقصاص من القاتل عمدًا وعدوانًا، وما يَلتحق بذلك، والاستثناء مُفَرَّغ؛ أي: لا تقتلوها بسبب من الأسباب، إلاَّ بسببٍ مُتلبس بالحقِّ، أو إلاَّ مُتلبسين بالحق، ثم بيَّن حُكم بعض المقتولين بغير حقٍّ، فقال: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} [الإسراء: 33] ؛ أي: لا بسبب من الأسباب المسوِّغة لقَتْله شرعًا، {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] ؛ أي: لِمَن يَلي أمره من وَرَثته إن كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لَم يكونوا موجودين، والسلطان: التسلُّط على القاتل إن شاء قَتَل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخَذ الدِّيَة، ثم لَمَّا بيَّن إباحة القصاص لِمَن هو مُستحق لدم المقتول، أو ما هو عِوَض عن القصاص، نَهاه عن مجاوزة الحد، فقال: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] ؛ أي: لا يُجاوز ما أباحَه الله له، فيَقتل بالواحد اثنين أو جماعة، أو يُمثِّل بالقتيل أو يُعَذِّبه، ثم قال - رحمه الله: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] ؛ أي: مؤيدًا مُعَانًا؛ يعني: الوَلِيَّ، فإن الله - سبحانه - قد نصَره بإثبات القصاص له بما أبرَزه من الحُجج وأوضَحه من الأدلة، وأمَر أهل الولايات بمعونته والقيام بحقِّه حتى يَستوفيَه، ويجوز أن يكون الضمير راجعًا إلى المقتول؛ أي: إنَّ الله نصَره بوَليِّه"؛ ا. هـ.