الصفحة 168 من 176

ثمّ سعدت بصحبته يوم جلست أكتب عنه، فتجدّدت في نفسي ذكريات عزيزة تعبق بالروحانيّة الفيّاضة، وتجسّدت أمام ناظريّ حياة مليئة بالصدق والإخلاص، والجدّ والعطاء ..

وإنني لأنظر إلى تلك المدّة التي قضيتها في صحبته فأجدها في نظر كثير من الناس مدّة ليست بطويلة ـ تسع سنين ـ ولكنني أنظر إلى عطائها وتأثيرها فلا أكاد أصدّق صحّة حسابي لها .. فأعيد التفكير في عددها لأجدها مرة أخرى تسع سنين .. كانت مترعة في مواقفها، ثريّة في عطائها .. وإذا كانت قيمة الزمن تحدّدها قيمة الأحداث والمواقف التي تقع فيه، فحقّ لي بهذا المقياس أن أعدّ صحبتي لهذا الرجل تتجاوز هذا العدد المحدود من السنوات بكثير .. فأنا لا زلت ـ غير مبالغ ولا متزيّد ـ أعيش بصمات تلك السنوات كلّ يوم يمرّ بي في الحياة .. وأجد مصداق ذلك الفكر، الذي تألّقت فيه تلك الشخصيّة في شتى أحداث الحياة من حولي .. فلا أجد عزاء عن عجزي عن تقديم الشكر، والاعتراف بعظيم الفضل، إلاّ أن أستمطر شآبيب الرحمة من الرحمن الرحيم، على الجدث المتواضع، الثاوي في ربا مقبرة الأعرابي لذلك الرجل العظيم، وأسأل الله تعالى أن يرفع صاحبه عنده في علّيّين، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين.

وإنّي إذ أتأمّل شيئًا من الخير وفّقني الله إليه أجد بصمات ذلك الرجل العظيم فيه تقف شاهد صدق على أن التلميذ وعمله إن هما إلاّ جزءٌ من عمل الشيخ وامتدادٌ لسعيه ..

وعندما تتجدّد في النفس مشاعر الحزن بفراق أمثال هذا الرجل العظيم لا يجد المرء عزاء عن ذلك سوى الطمع برحمة الله تعالى التي انتقلوا إليها، وأنّ هذه الدار ليست بدار قرار ولا جزاء، وأنّ الآخرة خير لهم من الأولى .. وأن الرجاء بعظيم فضل الله تعالى، وحسن الظنّ به أن يجمعنا بهم في بحبوحة جنّته، ومستقرّ رحمته ..

وإذا سعدت أخي القارئ الكريم بصحبة الشيخ في سيرته، ومع مؤلّفاته، فلا تنس أن تخصّه بدعواتك الصالحة، كما تخصّ كاتب هذه السطور، ولك بمثل ذلك، ولك من مودّة القلب، وصادق الحبّ، ما يكون كفاء دعواتك أو يزيد، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتحابّين فيه، وأن يظلّنا في ظلّ عرشه، يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه.

اللهُمّ اجعلنا هُداة مُهتَدِينَ، غَيرَ ضَالّينَ ولا مُضِلِّينَ، سِلْمًا لأوليائِكَ، وحَربًا لأعدائِكَ، نُحِبُّ بحبِّكَ مَن أحبَّك، ونُعَادِي بِعداوتِكَ مَن خَالَفَكَ.

ونَسألُكَ اللهُمّ حُبَّكَ، وحُبَّ مَن يحبُّك، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنا إلى حُبِّكَ، واجعَل خَيرَ عُمُرِنا آخِرَه، وخَيرَ عَمَلِنا خَواتمَهُ، وخَيرَ أيّامِنا يَومَ نَلقَاكَ وأنتَ رَاضٍ عَنّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت