الصفحة 37 من 176

!؟ ومن أحقّ بذلك منهم.؟! ثمّ ما أحوج الأمّة إلى طلاّب العلم، الدعاة إلى دين الله تعالى على بصيرة، ونحن نرى العلم الشرعيّ يقلّ بين الناس، والجهل يفشو يومًا بعد يوم.!"."

* ـ وأما بناته؛ فقد صرف الشيخ جزءًا كبيرًا من وقته لرعاية بناته وتعليمهنّ، فنالت ابنته الكبرى من ذلك قدرًا كبيرًا من عنايته، حتى أصبحت داعية للنساء، وواعظة مؤثّرة، فكانت تنوب عن والدتها في إقامة الدرس الأسبوعيّ للنساء، وقد اهتدى على يديها بفضل الله تعالى كثيرات، والتزمن الحجاب الشرعيّ، وحافظن على فرائضهنّ وواجباتهنّ.

وحرص رحمه الله على اختيار الأزواج الصالحين لهنّ، وكان يؤثر طالب العلم على من سواه، فزوّج أكثرهن لطلاّب علم، لا يملكون شيئًا من متاع الدنيا، فأحيا بذلك سيرة السلف الصالح، وقدّم النموذج العمليّ من نفسه، ليكون للمتّقين إمامًا.

* ـ وأما أبرز تلاميذ الشيخ رحمه الله؛ فمثل هذا الأمر يعسر فيه الإحاطة والاستقصاء، لأن الذين تأثّروا بالشيخ في مختلف مراحل عمله التعليميّ والدينيّ والدعويّ، ويعدّون أنفسهم من تلامذته لا يحصيهم عدّ، ولا تجمعهم ذاكرة، وبخاصّة في مرحلة عمل الشيخ في الثانويّة الشرعيّة، التي هي مورد طلاّب العلم ومنبتهم، ومعقل العلماء وحصنهم، وحسبُ الشيخ فضلًا وذكرًا أنه كان يمثّل مدرسة دعويّة تربويّة أحيت كثيرًا من المفاهيم الإسلاميّة التي كانت غائبة عن فكر الناس وواقعهم، وأصّلت كثيرًا من الحقائق الإيمانيّة والدعويّة التي حجبتها سحب الغفلة والنسيان.

* ـ رحلاته وأسفاره:

لقد كانت الرحلة الحبيبة إلى قلب الشيخ كل عام هي رحلة الحجّ والعمرة، كان يراها استجمامًا لروحه، وغذاء لقلبه، ومغنمًا لا يعدله شيء من مغانم الدنيا وبهارجها، يقول في بعض قصائده:

أرض الحجاز فدتك نفسي إنني إذ ما ذكرت تحرّكت أشجاني

لما وطئت ثرى الحجاز تعلّقت روحي به ماذا هناك عراني.؟

فإذا نزحت بكيت من ألم النوى متماديًا، وجفا الكرى أجفاني

إني أكابد في الفؤاد ... صبابة يفنى الزمان وما هواي بفاني

ياكعبة ولهي بها هدّ القوى والبعد عن ... جنباتها أضناني

فمتى أراني ... طائفًا ... متمتّعًا ... متعلّقًا ... بالستر والأركان.؟ [1] .

ـ وهو القائل في بعض قصائده، يصف لواعج حبّه، وتباريح حنينه:

أيا أرض الحبيب فدتك نفسي يطول ... ببعدك المضني أنيني

فكم أرقت لهذا البعد عيني وكم ذرفت من الدمع السخين

أحيبابي لكم حبي وقلبي لكم روحي وما ملكت يميني

وإن أقسمت: إني مستهام فقد برّت وما حنثت يميني

ـ ويعبّر عن مشاعر أنسه وهو في أرض الحمى، يجتني نفحات المناسك وعبيرها فيقول:

يا حبّذا ... يوم ... أغرّ ... قضيته متجرّدًا لله في عرفات

والعيد في وادي منى لا تنقضي ذكراه بين الخيف والجمرات

أيام أنس في الحجاز تمرّ بي مرًّا كريمًا والزمان مواتي

ما بين مكّة والمدينة رحلة من جنّة أسعى إلى جنّات

وكان يسمع لومًا وعتبًا من بعض الناس، لما يرون من شدّة تعلّق قلبه بهذه الرحلة المباركة، فيقول:"وهل هناك أقلّ من ذلك.؟ في السنة كلها نذهب مرّة واحدة.؟! إذا كان الإنسان مريضًا يذهب للتداوي لا أحد يلومه أو يعتب عليه، وأنا أذهب متداويًا".

وكانت هذه السفرة المباركة، التي يحرص عليها كلّ الحرص، سبيلًا للقائه بالعلماء والدعاة إلى الله تعالى، الذين يحضرون موسم الحجّ من شتى أرجاء العالم الإسلاميّ، فيكون الحوار معهم، والتعرّف على أوضاع المسلمين في العالم.

وقد سمعنا منه الكثير عن لقاءاته في تلك الأسفار، وعن مشاهداته، وما جرى معه من مواقف في التذكير للناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا السفر المبارك في حقيقته يغني عن أسفار، ويسدّ مسدّ التنقّل في البلاد وكثرة الترحال.

ـ وقد كان الشيخ مولعًا بفطرته بالسياحة، وحبّ الخروج عن صخب المدينة، والخلوة المؤنسة بالله تعالى تفكّرًا وذكرًا، وتفرّغًا للعلم، وتربية للأسرة واعتناء بها، فكان يخرج إلى جبل الأربعين في الصيف [2] ، فيقضي أكثر أشهر الصيف مع أسرته، وينزل كلّ أسبوع إلى"حلب"لخطبة الجمعة، وقضاء بعض المصالح، فحظيت بذلك أسرته من تربيته وعنايته الشيء الكثير، ولكنه عندما فتحت عليه الدعوة أبوابها، وعظمت مسئولياته الدعويّة في رعاية الشباب، والإشراف على برامجهم العلميّة والتربويّة، انقطع عن هذا المصيف، وشغل بمخيّمات الشباب التربويّة، التي كان يقيمها سنويًّا، ويشرف عليها بنفسه.

* مرضه ووصيّته ووفاته، وجنازته ودفنه، وشهادة بعض معاصريه:

(1) ـ انظر مجموعة العبادات للشيخ أحمد رحمه الله ص/ 278 ـ 284/.

(2) ـ وهو مصيف قريب من مدينة"حلب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت