الصفحة 38 من 176

* مرضه ووصيّته ووفاته، وجنازته ودفنه:

إن كل من كان يعرف الشيخ عن كثب من إخوانه ومحبيه، ويرى ما كان يتمتع به من حيوية ونشاط وهمة وفتوة، يتصور أنه يعيش عمرًا مديدًا، وأن حظ الأمة في مثله مذخور وافر، ولكنّ الأعمار المقدّرة لا تقف دونها صحّة أو فتوّة، أو شباب وقوّة.

وفى لقاء من اللقاءات مع الشيخ بعد الفجر، في أواخر جمادى الأولى من عام 1395 هجرية، بدت على وجه الشيخ مظاهر الوهن، فشكى ما يحسّ من آلام منذ أيام، فاختصرنا لقاءنا، ثم التقيناه بعد ذلك، فحدثنا أنه زار بعض الأطباء الذين يثق بهم، وحدثهم بشكواه، فوصفوا له بعض العلاجات والمسكنات، ثم ازدادت شكوى الشيخ، وشخّص حالته بعض الأطباء أنها (روماتيزم شديدة) ، وقد رافقها (سكر الشيخوخة) ، وتناول الأدوية التى نصح بها، ولكن صحته كانت تزداد مع الأيام تدهورًا، حتى أقعدته آلامه عن القيام بالخطابة والتدريس واللقاءات مع إخوانه، وتوقف كذلك عن النشاطات العامة التى كان يقوم بها، ووكّل بالخطابة والتدريس بعض إخوانه، ثم به اشتدّ المرض، ونصح أولاده أن ينقلوه للعلاج خارج سورية، وشجعهم على ذلك أطباؤه الخاصّون، فنقل إلى عمّان، وأجريت له الفحوصات اللازمة .. فكان تشخيص مرضه هناك مختلفًا عن تشخيص الأطباء في حلب، وأشرف الدكتور قنديل شاكر على علاج الشيخ في عمان، واعتنى به غاية الاعتناء، وهو من خيرة الأطباء المختصين، ثمّ أخبر أولاده أن مرضه هو السرطان في الدم، ونقيّ العظام، وعندما استكمل التحاليل، ولاحظ سير الدواء، نصحهم بالعودة به إلى"حلب"، فلا حيلة للطب وقتئذ في علاج هذا المرض، كما أكد عليهم أن يزيدوا من العناية بالشيخ: (لأنه يعاني في مرضه من آلام مبرّحة، لو علم بها عدوه لأشفق عليه، ورقّ لحاله) .

وعندما عاد الشيخ من"عمان"نزل في دمشق شهرًا، واشتدّت آلامه، فكتب فيها وصيته الأولى، ثم نقل إلى"حلب"، واشتدّ مرضه يومًا بعد يوم.

وضرب الشيخ في مرضه مثلًا رائعًا في الصبر والجلد، وتحمل الآلام الشديدة، والبعد عن الشكوى احتسابًا لله تعالى، ثم اشفاقًا على أهله وأولاده، وإخوانه ومحبيه.

وكان كلّ من يعوده يشهد آثار الآلام المبرحة على وجهه، وفى وعكات جسده، الذى يرزح تحت وطأة المرض ويئنّ، ولكنّك لا تسمع منه إلاّ كلمات الرضا عن الله تعالى، والثناء عليه سبحانه.

وكان يطمئن إخوانه ومحبيه، عندما يسألونه عن حاله، فيجيبهم بقوله:"سنطيب إن شاء الله"، وكأنه كان يورّي بذلك عن انتقاله من هذه الدار إلى الدار الآخرة: {وللآخرةُ خيرٌ لكَ مِن الأولى (4) } الضحى.

وكان مع شدة مرضه، لا يقرّ أمامه أية مخالفة شرعية، فكان يشير إشارة مفهومة، لإنكار ما يراه مخالفًا للسنة؛ فإذا رأى بعض من حوله، يشرب بشماله، يشير إليه أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت