الصفحة 39 من 176

يشرب بيمينه، وإذا أراد بعض أهله أن يلبسه ثوبًا، وقدم له الكم الشمال امتنع عن تقديم يده، ولم يقدم إلا يمينه، مما يدلّ على حرصه على السنة، وتمسكه بها رحمه الله حتّى في أشدّ حالات مرضه.

ثم كتب الشيخ وصيته الثانية وختمها، وكلف من حضر من أولاده أن تبلّغ لولده الشيخ محمّد أبي النصر، ولا تفتح إلا بعد وفاته رحمه الله [1] .

ومع بداية شهر ذي الحجة من عام /1395/ هجرية، بدت حالة الشيخ الصحية، توحي بقرب المنية، فضعف الجسم يزداد، والآلام تتضاعف، والقوة على الحركة لم تبق منها إلا ذبالة، ولكن السمع والبصر، والعقل والفؤاد، كل ذلك كان بقوته وسلامته.

وجاء يوم الجمعة السابع عشر من ذي الحجة من عام /1395/ هـ، وصلى الشيخ صلاة الفجر في فراشه، ثمّ اضطجع ونام قليلًا، ثم استيقظ ضحىً وجلس، ثم جاءته حالة غريبة، فوقف أهله وأولاده الحاضرون مذهولين، إذ انبعثت من داخل جوفه كلمة:"الله"، بصوت قوي مسموع، وكان صوته مختفيًا مدة مرضه، لا تسمع منه إلا همسًا خفيفًا، فما زال يكرر هذه الكلمة العظيمة الجليلة، بمثل هذا الصوت، ويتحرك بها صدره بقوة، أكثر من نصف ساعة، ثم انقطع صوته فجأة، وسكنت أطرافه، وفاضت روحه إلى بارئها.

فسارع أحد أولاده إلى استدعاء الطبيب، فعلم الطبيب من أوّل نظرة، أنّ الروح فاضت إلى بارئها، فأقبل على أولاده يواسيهم ويعزّيهم، ويخفّف من مصابهم، وطار الخبر، وبلغ إخوانَ الشيخ وأحبابَه، فكان وقع المصيبة عظيمًا.

وازدحم المحبّون في جامع أبى ذر، صباح يوم السبت، تبدو على وجوههم لوعة الحزن والأسى، لقد كانوا يشعرون أن فقد آبائهم وأمهاتهم أخفّ وأهون من هذا الرزء الفادح، والخطب الأجلّ .. وغصّ المسجد بالوافدين، وسجّي الشيخ بعد تغسيله في مجلس المكتبة:"الليوان" [2] ودخل إخوانه ومحبوه، ليلقوا عليه نظرة الوداع قبل الصلاة عليه ومواراته في الثرى.

وكُشف عن وجهه، فوالله لم أر ميتًا قبل ذلك اليوم، يأنس به الحيّ، كما رأيت الشيخ رحمه الله، كان كأنه يبتسم ابتسامته المعهودة، التى لم تكن لتفارق وجهه ومحيّاه.

(1) ـ وسنعرض في الفصل الثاني من هذه الدراسة بإذن الله هذه الوصيّة، ونماذج أخرى من وصاياه رحمه الله.

(2) ـ وهو مجلس كبير له في النفس ذكريات عبقة، إذ طالما شهد لقاءات الشيخ بإخوانه، وطالما عقدت فيه مجالس العلماء، الذين كانوا يجتمعون بين الحين والآخر مع الشيخ رحمه الله تعالى، ليتدارسوا أوضاع الأمة، والمشكلات الاجتماعية الطارئة، ويصدروا عن رأي واحد، وهوالمجلس الذى شهدالإحياءات في مختلف المناسبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت