ثم دخلت بنات الشيخ ومحارمه يودعنه، وتجلت تربية الشيخ الإيمانيّة لأهله وبناته، إذ لم تصدر منهن أيّة مخالفة، أو تجاوز لحدود الشرع، لقد اعتصمن بالصبر، واحتسبن الأجر، ولم تتكلم إحداهن إلاّ بما يرضي الله تعالى.
ثم حملت الجنازه قبيل العصر إلى جامع"بان قوسا"، وازدحم المسجد بالمشيعين على سعته، وسعة فنائه الخارجيّ، وتوافد العلماء والمشايخ من مدينة حلب وسواها من المحافظات.
ثم حملت الجنازة على الأكتاف إلى مقبرة الأعرابيّ، فكانت كلّما سارت خطوة انضم إليها بضع مئات من الناس، حتى أصبح المشيّعون كتلة متراصة من الناس، أوّلها في مقبرة الأعرابي، ونهايتها في جامع"بان قوسا"، الذي يبعد عن المقبرة حوالي ثلاثة أكيال.
ثم دفن الشيخ رحمه الله تعالى، فأحسسنا أنّ قلوبنا دفنت معه، واحتبست الحسرة والزفرات بين الضلوع: فـ {إنا لله، وإنا إليه راجعون} .
ووداعًا أيتها النفس المطمئنة.! {يا أيتها النفس المطمئنة (28) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (29) فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي (30) } الفجر.
اللهم.! لا تحرمنا بفضلك أجره، ولا تفتنّا برحمتك بعده، واغفر لنا وله.
* ثناء الناس عليه، وشهادتهم فيه؛ ورثاؤهم له: ما أكثر ما سمعنا من مدح المادحين للشيخ أحمد من ذوي الفضل والعلم، والتقى والصلاح، وقد مرّ بنا العديد من ذلك في موطنه ومناسبته.
وإنّ من عاجل بشرى المؤمن في هذه الحياة الدنيا، أن تنطلق ألسنة الخلق بالثناء عليه، وأن يوضع له القبول في قلوب عباد الله الصالحين، مما يبشّره بمحبة الله له، وقبوله عنده، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح.
يقول رحمه الله فيما كتب من سيرته الذاتيّة:"شهادات:"
1 ـ دعاني والدي رحمه الله تعالى مرّة، وسألني أن أفرّج عنه كربًا، فاستجبت سريعًا، فأمسك طرف ساعده الأيسر بين سبّابة اليد اليمنى وإبهامها، وقال:"يا أحمد! ذرّات جسمي راضية عنك".