الصفحة 92 من 176

إخوة .. (10) الحجرات، وهذه أخوّة إيمانية عامة، وقد يكون بين المؤمنين أخوة خاصة، فيتآخى جماعة في الله، يحبّ بعضهم بعضًا، يسود أخوّتهم الإخلاص الأتمّ، والوفاء الأكمل، فيتعاملون بالإيثار، ويتفادون بالأموال والأرواح، وهذه أسمى مراتب الأخوة: لما هاجر المسلمون الأوّلون إلى المدينة، تنافس فيهم الأنصار .. فما نزل مهاجر على أنصاريّ إلاّ بقرعة .. ثم آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، ووثّق روابط الأخوة بينهم، حتّى تنازل الأخ الأنصاريّ لأخيه المهاجر عن نصف ماله، وآثره على نفسه فيما يحبّ"."

ـ والأخوة في الله هي الصحبة الصالحة، التي تعدّ ضرورة ملحة من ضرورات الاجتماع الإسلامي الرشيد؛"فكم من ضعيف متحيّر، متردد متشكك، صحب مؤمنًا قوي الإيمان، صادق اليقين، فانتقلت إليه عدوى الخير، وتخلّص من ظلمات الشكّ والارتياب، ورسخ في قلبه الإيمان واليقين، وما انتشرت دعوة الإيمان منذ أوّل أمرها، إلاّ بصحبة أهل الإيمان ..".

".. وكما أن عدوى الخير تسري، فكذلك عدوى الشرّ، فمن صحب أهل المعاصي والغفلات، أوصلته صحبتهم إلى ما وصلوا إليه من المعاصي والمخالفات، التي تضعف الإيمان، ثمّ إلى الكفر البواح، وعاقبة ذلك الندامة يوم القيامة".

ـ ويتحدّث عن خطر وهن الأخوة الصالحة على المجتمع، فيقول:"إذا انقطعت أواصر أخوة في مجتمع، وتفككت روابط المحبّة بين أفراده، ظهرت الأثرة البغيضة، وسعى الفرد في شأن نفسه، وألقى بمصلحة المجموع عُرْض الحائط، فامتلأت الصدور بالأحقاد، وفشت بين الناس الشحناء، واشتعلت نار الحسد في القلوب، وظلم القوي الضعيف، وفسدت ذات البين .. وإذا حصل هذا الوهن، لم يعد يربط الناس بعضهم ببعض إلاّ مصالح شخصية، لا تلبث أن تنقضي، لأنها سريعة التقلّب، لا دوام لها ولا استمرار .. وقد تربط بين الناس حينئذٍ علاقات غير صحيحة، من حزبيّة ضالة عمياء، أو عصبيّة لمبادئ منحرفة وأهواء، أو مريدية مغفلة جامدة، لا تمتّ إلى التصوّف الصادق بصلة، ولا تهتدي بهدي السلف الصالح الرشيد .."

وهذا الكلام صريح في بيان موقف الشيخ من المريدية العمياء، التي يدعو إليها بعض المتصوفة، بصورة تتعارض مع هدي الإسلام وحقائقه، وكان لها أثر كبير في انحراف روابط المسلمين، وأورثتهم روح التبعيّة المعطّلة لحقّ النصيحة، التي هي لبّ الدين وروحه .. وإنما الأخوة الإسلامية الناصحة هي المبدأ والمنهج، الذي ينبغي أن يحكم روابط المسلمين وعلاقاتهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت