فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 246

قال ابن القيم ×: =فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها، وإما لدفع ألم هو أصعب منها، وإما لتولدها عن لذات ونعم يولِّدها عنها أمر لازم لتلك اللذات، وإما أن تكون من لوازم العدل، أو لوازم الفضل والإحسان؛ فتكون من لوازم الخير التي إن عُطِّلت ملزوماتها فات بتعطيلها خيرٌ أعظمُ من مفسدة تلك الآلام.

والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك؛ فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر، وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله بقوله: [إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ ] سورة النساء: 102.

وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف الحيوانات.

وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرياسة، ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها، ومتولدة منها.

بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم، والشجاعة، والزهد، والعفة، والحلم، والمروءة، والصبر، والإحسان كما قال:

لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفْقرُ والإقدام قتَّالُ

وإذا كانت الآلام أسبابًا لِلَذَّاتٍ أعظم منها وأدوم ـ كان العقل يقضي باحتمالها+ (1) .

إلى أن قال ×: =وقد حجب الله _ سبحانه _ أعظم اللذات بأنواع المكاره، وجعله جسرًا موصلًا إليها كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات، وجعلها جسرًا موصلًا إليها.

ولهذا قالت العقلاء قاطبة: إن النعيم لا يدرك بالنعيم، وإن الراحة لا تنال بالراحة، وإن مَنْ آثر اللذات فاتته اللذات؛ فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم؛ إذ هي أسباب النِّعم.

وما ينال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمورٌ جدًا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها كما ينالها من حر الصيف، وبرد الشتاء، وحبس المطر والثلج، وألم الحمل والولادة، والسعي في طلب أقواتها وغير ذلك.

(1) شفاء العليل، ص498.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت