فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 246

هذا وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في المبحث الآتي عند الحديث عن الحكمة من خلق المعاصي وتقديرها، وعند الحديث عن مسألة الهداية والإضلال.

المبحث الثالث

قد مر بنا أن الله _ عز وجل _ له الحكمة البالغة فيما يقدره ويقضيه، كما مر ذكر لبعض الأمثلة الدالة على حكمة الله _ عز وجل _.

والحديث في هذا المبحث إنما هو إتمام لما مضى ذكره، وأفرد هاهنا لكثرة الشبهات حوله، ولقلة الحديث عنه، ولكونه مرتبطًا بكثير من مباحث هذا الكتاب؛ فهل هناك من حكم لخلق المعاصي وتقديرها؟

والجواب عن هذا الإشكال أن لخلق المعاصي وتقديرها حِكَمًا عظيمة، وأسرارًا بديعة، باهرة، ولكن الحديث عن ذلك قليل جدًا.

قال الإمام ابن القيم ×: =وهذا باب عظيم من أبواب المعرفة قلَّ من استفتحه من الناس، وهو شهود الحكمة البالغة من قضاء السيئات وتقدير المعاصي.

وإنما استفتح الناس باب الحكم في الأوامر والنواهي، وخاضوا فيها، وأتوا بما وصلت إليه علومهم.

واستفتحوا _ أيضًا _ بابها في المخلوقات _ كما قدمناه _ وأتوا بما وصلت إليه قواهم.

وأما هذا الباب فكما رأيت كلامهم فيه، فقلَّ أن ترى لأحدهم ما يشفي، أو يلم.

وكيف يطَّلع على حكمة هذا الباب من عنده أن أعمال العباد ليست مخلوقة لله ولا داخلة تحت مشيئته أصلًا؟ وكيف يتطلب لها حكمة، أو يثبتها، أم كيف يطلع من يقول: هي خلق الله، ولكن أفعاله غير معللة بالحكم؟+ (1) .

إلى أن قال: =والمقصود أن مشاهدة حكمة الله في أقضيته وأقداره التي يجريها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هي ألطف ما تكلم فيه الناس، وأدقُّه، وأغمضه، وفي ذلك حِكَمٌ لا يعلمها إلا الحكيم العليم _سبحانه_ ونحن نشير إلى بعضها+ (2) .

(1) مفتاح دار السعادة 1/286.

(2) مفتاح دار السعادة 1/286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت