فهرس الكتاب
ثم شرع × في ذكر العديد من الحكم في هذا الشأن، فمن الحكم من خلق المعاصي وتقديرها ما يلي (1) :
1_ أن الله يحب التوابين: حتى إنه ليفرح بتوبة أحدهم أعظم من فرح الواحد براحلته التي عليها طعامه، وشرابه في الأرض الدوية المهلكة إذا فقدها وأيس منها.
وليس من أنواع الفرح أكمل وأعظم من هذا الفرح؛ فالله _عز وجل_ يقضي على عبده بالذنب، ثم إن كان ممن سبقت له الحسنى قضى له بالتوبة، وإن كان ممن غلبت عليه الشقاوة أقام عليه حجة عدله، وعاقبه بذنبه.
قال": =لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلًا وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومةً، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله."
قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومةً، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده+ (2) .
قال ابن القيم × تعليقًا على هذا الحديث: =ولم يجىء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التائب وقلبِه، ومزيدُه لا يُعبَّر عنه.
وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد؛ فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية، فيصير حبيبًا لله؛ فإن الله يحب التوابين، ويحب العبد المفتن التواب+ (3) .
2_ أن الله _ عز وجل _ يحب أن يتفضل على عباده: ويتم نعمه عليهم، ويريهم مواقع بره وكرمه؛ فلذلك ينوعه عليهم أعظم الأنواع في سائر الوجوه الظاهرة والباطنة.
ومن أعظم ذلك أن يحسن إلى من أساء، ويعفو عمن ظلم، ويغفر لمن أذنب، ويتوب على من تاب إليه، ويقبل عذر من اعتذر إليه.
(1) الكلام في هذا أكثره مستفاد من مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/286_299، فهو × أبرز من تكلم في هذا الموضوع الدقيق، بل لا تكاد تجد لغيره كلامًا جامعًا في هذا الباب.
(2) رواه البخاري (6308) ، ومسلم (2744) .
(3) مدارج السالكين 1/306، وانظر كلامًا جميلا ًفي المدارج 1/226_230حول معنى فرح الله _ عز وجل _ بتوبة التائب.