فهرس الكتاب
قال شيخ الإسلام: =فإن من احتج بالقدر، وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات، ولم يفرق بين المأمور، والمحظور، والمؤمنين، والكفار، وأهل الطاعة، وأهل المعصية _ لم يؤمن بأحد من الرسل، ولا بشيء من الكتب، وكان عنده إبليس وآدم سواء، ونوح وقومه سواء، وفرعون وموسى سواء، والسابقون الأولون وكفار مكة سواء+ (1) .
المبحث الخامس
يرى جمهور الأشاعرة ومتأخروهم أن الله _ عز وجل _ خالق أفعال العباد فيثبتون مرتبتي المشيئة والخلق، ولكنهم يقولون: =إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله _تعالى_ وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله _سبحانه_ أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا؛ فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما؛ فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثًا، ومكسوبًا للعبد.
والمراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك من تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا له+ (2) .
فهم _ إذًا _ يرون أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله _تعالى_ وهي كسب للعباد.
وعلى ذلك يترتب الثواب والعقاب، ولا تأثير لقدرة العبد في الفعل.
وهذا قول جمهور الأشاعرة، وهو القول الذي شنع بسببه المعتزلة على الأشاعرة؛ لأنهم لما لم يثبتوا للعبد قدرة مؤثرة لم يكونوا بعيدين من قول الجبرية الجهمية؛ فهم أرادوا أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية؛ فجاءوا بنظرية الكسب، وهي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها _كما مر_ تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير (3) .
(1) مجموع الفتاوى 8/100.
(2) شرح المواقف للزنجاني ص237.
(3) انظر الروض الباسم لابن الوزير 2/21، والروضة البهية في ما بين الأشاعرة والماتريدية لأبي عذبة ص42، ولوامع الأنوار 1/291_292، ومنهج الأشاعرة في العقيدة د.سفر الحوالي ص43، والقضاء والقدر د.عبدالرحمن المحمود ص311_316، والرد الأثري المفيد على البيجوري ص103_108.