هذا وإن باب القدر لمن أعظم أبوب العقيدة، وشأنه شأن غيره من الأبواب الأخرى من حيث الوضوح والبيان، بل إن له شأنًا عجيبًا؛ لأن عامة الناس أعلم به من المتكلمين والفلاسفة؛ لأنه مسألة بديهية، والبديهي كلما زاد التعمق فيه بعد عن الإدراك (1) ، فالإيمان بالقدر أمر فطري، والعرب في جاهليتها وإسلامها لم تكن تنكر القدر، كما صرَّح بذلك أحد أئمة اللغة وهو أحمد بن يحيى ثعلب بقوله: =ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره أهل الجاهلية وأهل الإسلام+ (2) .
وإثباتهم للقدر مبثوث في ثنايا أشعارهم وخطبهم _ كما سيمر بنا قريبًا عند الحديث عن أدلة القدر _ فهم يثبتون القدر ولا ينكرونه، وإن كان هذا الإثبات قد يشوبه بعض التخبط والجهل في فهم حقيقة القدر.
فنجد _ على سبيل المثال _ زهير بن أبي سلمى يقول في معلقته المشهورة:
فلا تكتُمنَّ الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يُكْتَمِ الله يعلمِ
يؤخر فيوضع في كتاب فَيُدَّخَرْ ... ليوم الحساب أو يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ (3)
ثم تراه في موضع آخر من تلك المعلقة يقول:
رأيت المنايا خبطَ عشوَاءَ من تُصِبْ ... تُمِتْهُ ومن تخطىءْ يُعَمَّرْ فيهرمِ (4)
فهو لا ينكر القدر، وإنما يرى أن الأقدار كالناقة العشواء _ ضعيفة البصر _ تسير في الطريق، فمن أصابته مات، ومن أخطأته عاش.
وهذا جهل وتخبط في باب القدر؛ ذلك أن المنايا مكتوبة مقدرة، كما صرح بذلك غيره من أهل الجاهلية، كعمرو بن كلثوم أحد شعراء المعلقات حيث قال:
وأنَّا سوف تدركنا المنايا ... مقدرةً لنا ومقدرينا (5)
(1) أشار إلى هذا المعنى الشيخ محمد رشيد رضا، انظر =منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة+ لتامر متولي ص586.
(2) =شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة+ للالكائي 4/704_705.
(3) ديوان زهير بن أبي سلمى ص 25.
(4) ديوان زهير بن أبي سلمى ص32.
(5) شرح القصائد المشهورات لابن النحاس 2/91.