فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 246

وكما قال لبيد بن ربيعة العامري في معلقته المشهورة يصف البقرة الوحشية وحالها مع الوحوش الضارية:

صادفنَ منها غِرَّةً فأصبنها ... إن المنايا لا تطيش سهامها (1)

وعندما بعث النبي"بيَّن هذا الأمر _ كغيره _ غاية البيان؛ فإن كلماتِه الجوامعَ النوافع في هذا الباب وغيره كفت وشفت، وجمعت وفرقت، وأوضحت وبينت، وحلَّت محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن."

ثم تلاه أصحابه من بعده، وتلقوا ذلك عنه، فاتبعوا طريقه القويم، وساروا على نهجه المستقيم، فجاءت كلماتهم كافية شافية، مختصرة نافعة؛ لقرب العهد، ومباشرة التلقي من مشكاة النبوة، التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى؛ فكانوا بذلك أعظم الناس فهمًا وفقهًا لهذا الباب، وأكثرهم إيمانًا به وعملًا بمقتضاه، فأثَّر ذلك فيهم أيما تأثير، فكانوا _ رضوان الله عليهم _ أتقى الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس بعد الأنبياء _ عليهم السلام_.

ثم سلك أثرهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا طريقهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا إلى ما كانوا عليه (2) .

ثم بعد ذلك دبَّ في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها، فدخلت الفلسفات اليونانيةُ، والهنديةُ، والفارسيةُ، وغيرُها بلادَ المسلمين، وظهرت بدعة القدرية في البصرة ودمشق، فوقع أول شرك في هذه الأمة، وهو نفي القدر، وكان ذلك في عهد أواخر الصحابة _ رضي الله عنهم _ الذين أنكروا تلك البدعة، وأعلنوا البراءة منها ومن أهلها.

ثم جاء من بعدهم علماء السلف، فتصدوا لتلك البدعة، وبينوا زيفها، وهتكوا سجفها، ودحضوا باطلها، وأظهروا الحق ونشروه، ودعوا الأمة إليه.

ولهذا فإن موضوع هذا البحث هو: (الإيمان بالقضاء والقدر)

أهمية موضوع القدر:

(1) شرح المعلقات العشر للزوزني ص 176 وديوان لبيد بن ربيعة العامري ص171.

(2) انظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ص4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت