فهرس الكتاب
فلا يتهم ربه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره، وذلك يوجب له استواء الحالات عنده، ورضاه بما يختاره له سيده، كما يوجب له انتظار الفرج وترقبه، وذلك يخفف حمل المشقة، ولاسيما مع قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من رَوْح الفرج ونسيمه وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج مُعَجَّل (1) .
8_ الرضا: فالمؤمن بالقدر قد تسمو به الحال، فَيَصِلُ إلى منزلة الرضا، فمن رضي عن الله رضي الله عنه، بل إن رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه؛ فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده: رضًا قبله أوجب له أن يرضى عنه، ورضًا بعده هو ثمرة رضاه عنه.
ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين (2) .
قال ابن القيم ×: =من ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غنىً، وأمنًا، وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه.
ومن فاته حظه من الرضا امتلأ قلبه بضد ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه+ (3) .
=وقيل ليحيى بن معاذ (4) : متى يبلغ العبد مقام الرضا؟
فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه؛ فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت+ (5) .
(1) انظر مدارج السالكين 2/166_199.
(2) انظر مدارج السالكين 2/172.
(3) مدارج السالكين 2/202.
(4) هو يحيى بن معاذ أبو زكريا الرازي الواعظ، له أقوال مشهورة في الزهد والوعظ والحكمة، مات في نيسابور يوم الاثنين لست عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين.
انظر تأريخ مدينة السلام للبغدادي 16/306_310، وسير أعلام النبلاء 13/15، ووفيات الآعيان 6/166.
(5) مدارج السالكين 2/172.