فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 246

وقال بعضهم: =ارض عن الله في جميع ما يفعله بك؛ فإنه ما منعك إلا ليعطيك، ولا ابتلاك إلا ليعافيك، ولا أمرضك إلا ليشفيك، ولا أماتك إلا ليحييك؛ فإياك أن تفارق الرضا عنه طرفة عين، فتسقط من عينه+ (1) .

ومما ينبغي أن يُعْلم أنه ليس من شرط الرضا ألا يحس العبد بالألم والمكاره، بل ألا يعترض على الحكم، ولا يتسخطه (2) .

قال أحد الحكماء:

إذا اشتدت البلوى تخفف بالرضا ... عن الله قد فاز الرضيُّ المراقب

وكم نعمة مقرونة ببلية ... على الناس تخفى والبلايا مواهب (3)

ومع هذا فلا خروج للعبد عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود، مشكور، ملطوف به، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به.

ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدورِ العطفُ عليه، واللطف فيه، فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يُهَوِّنُ عليه ما قدر له.

9_الشكر: فالمؤمن بالقدر يعلم أن ما به من نعمة فهي من الله وحده، وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونقمة، فيبعثه ذلك على إفراد الله بالشكر؛ فإذا نزل به ما يحب شكر الله عليه؛ إذ هو المنعم المتفضل، وإذا نزل به ما يكرهه شكر الله على ما قدَّره عليه، كظمًا للغيظ، وسترًا للشكوى، ورعاية للأدب، وسلوكًا لمسلك العلم؛ فإن العلم بالله والأدب مع الله يأمران بشكر الله على المحاب والمكاره، وإن كان الشكر على المكاره أشقَّ وأصعبَ؛ ولذلك كان الشكر أعلى من الرضا.

فإذا لزم الإنسان الشكر قرت نعمه ودرَّت؛ فالشكر قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة، والله _ تبارك وتعالى _ يقول: [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] سورة إبراهيم: 7.

فمتى لم تر حالك في مزيد فاستقبل الشكر (4) .

(1) مدارج السالكين 2/216.

(2) انظر مدارج السالكين 2/169_232 ففيه كلام مفصل عن الرضا.

(3) الأبيات لابن ناصر الدين الدمشقي. انظر كتابه برد الأكباد عند فقد الأولاد ص37.

(4) انظر مدارج السالكين 2/199 و235 و243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت