فهرس الكتاب
قال ابن القيم ×: =الذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله؛ فمن سلَّم لله، واستسلم له، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له _ لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضع؛ فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها، وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب، وأن ما كتب لها _ أيضًا _ لابد أن يصيبها؛ فلا معنى للخوف من غير الله بوجه.
وفي التسليم _ أيضًا _ فائدة لطيفة، وهي أنه إذا سلمها لله فقد أودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه، حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عادٍ، ولا بغيُ باغٍ عاتٍ+ (1) .
5_ علو الهمة: فعلو الهمة يعني استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، ودنو الهمة بالعكس من ذلك؛ فهو إيثار الدَّعة، والرضا بالدون، والقعود عن معالي الأمور.
والإيمان بالقدر يحمل أهله على علو الهمم، وينأى بهم عن القعود، والإخلاد إلى الأرض، والاستسلام للأقدار.
ولهذا تجد المؤمن بالقدر _ حقيقة _ عالي الهمة، كبير النفس، متطلبًا للكمالات، مترفعًا عن السفاسف والمحقرات، فلا يرضى لنفسه بالدون، ولا يقنع بالواقع المر الأليم، ولا يستسلم للمعائب محتجًا بالقدر على وقوعها.
بل إن إيمانه يُحتِّم عليه أن يسعى سعيه للنهوض بنفسه، ولتغيير الواقع المر الأليم إلى الأفضل بالطرق المشروعة، وإلى التخلص من المعائب والنقائص؛ فالاحتجاج بالقدر إنما يكون عند المصائب لا المعائب (2) .
6_ الحزم والجد في الأمور: فالمؤمن بالقدر حازم في أموره، منتهز للفرص التي تمر به، حريص على كل خير ديني أودنيوي؛ إذ الإيمان بالقدر يدعو إلى ذلك؛ فلم يكن داعية إلى البطالة، والإقلال من العمل البتة.
(1) مدارج السالكين 2/32.
(2) انظر الهمة العالية معوقاتها ومقوماتها للكاتب ص93_94.