فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 246

3_ الكرم والسخاء: ذلك أن المؤمن بالقدر يعلم علم اليقين بأن الله هو الرزاق، وهو الذي قسم بين الخلق معيشتهم؛ فكلٌ له نصيبه، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، ولن يفتقر أحد إلا بقدر الله _عز وجل _.

وهذا الإيمان يشرح صدر صاحبه للإنفاق في وجوه الخير، فيؤثرها بجانب من ماله ولو كان به خصاصة؛ ثقة بالله، واستجابة لأمره _ عز وجل _ بالإنفاق، وشعورًا بأن للحياة الفاضلة مطالبَ يبذل في سبيلها المال غير مأسوف عليه، ولعلمه بأن المال مال الله؛ فَتَعَيَّنَ وَضْعُه حيث أمر اللهُ وَضْعَهُ (1) .

ثم إن الإيمان بالقدر يطفئ حِدَّةَ الشَّرَهِ من قلب المؤمن، فلا يتكالب على الدنيا، ولا يتَتَبَّعُها إلا بمقدار الحاجات، فلا يريق ماء وجهه طلبًا لها، بل يتكرم ويسخو عما في أيدي الناس؛ فمن أنواع السخاء سخاءُ الإنسان عما في أيدي الناس.

وهذا يثمر له عزة النفس والشجاعة، وإنما يخسر الإنسان الشجاعة وعزة النفس بشدة حرصه على متاع الدنيا.

4_ الشجاعة والإقدام، واطراح الخور والجبن: فالإيمان بالقدر يملأ قلب صاحبه شجاعةً وإقدامًا، ويُفْرِغهُ من كل خور وجبن؛ لأن المؤمن بالقدر يعلم أنه لن يموت قبل يومه، ولن يصيبه إلا ما كُتب له، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروه لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله له.

ومما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ÷ قوله:

أي يوميَّ من الموت أفِرْ ... يوم لا يُقْدَرُ أو يوم قدِرْ

يوم لا يُقْدَرُ لا أرهبه ... وإذا قدِّر لا ينجي الحذر (2)

وكان معاوية ÷ يتمثل بهذين البيتين:

كأن الجبانَ يرى أنه ... سيقتل قبل انقضاء الأجلْ

وقد تدرك الحادثاتُ الجبان ... ويسلم منها الشجاعُ البطلْ (3)

(1) انظر الهداية الإسلامية للشيخ محمد الخضر حسين ص84_89.

(2) ديوان الإمام علي ص79_80.

(3) بهجة المجالس للإمام ابن عبدالبر 2/480.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت