فهرس الكتاب
ثم أردف قائلًا: =ودعني أضرب لك مثلًا لما أعنيه: هَبَّتْ ذات يوم عاصفةٌ عاتيةٌ حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي (الرون) في فرنسا، وكانت العاصفة حارةً شديدةِ الحرارة، حتى أحسست كأن رأس شعري يتزعزع من منابته؛ لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون.
ولكنَّ العربَ لم يشْكُوا إطلاقًا، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: =قضاء مكتوب+.
لكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء.
فعلوا هذا كله في صمت وهدوء، دون أن تبدو من أحدهم شكوى.
قال رئيس القبيلة _ الشيخ _: لم نفقد الشيء الكبير؛ فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شيء، ولكن حمدًا لله وشكرًا؛ فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ عملنا من جديد+.
ثم قال بودلي: =وثمة حادثة أخرى، فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يومًا، فانفجر أحد الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار احتياطي، وتولاني الغضب، وانتابني القلق والهم، وسألت صحبي من الأعراب: ماذا عسى أن نفعل؟.
فذكروني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلًا، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق.
ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاث إطارات ليس إلا، ولكنها ما لَبِثَتْ أن كفَّت عن السير، وعَلِمْتُ أن البنزين قد نفد.
وهنالك _ أيضًا _ لم تَثُرْ ثائرةُ أحدٍ من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوؤهم، بل مضوا يذرعون الطريق سيرًا على الأقدام+.
وبعد أن استعرض بودلي تجربته مع عرب الصحراء علق قائلًا: =قد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرُّحل _ أن الملتاثين، ومرضى النفوس، والسِّكِّيرين الذي تحفل بهم أمريكا وأوربا ما هم إلا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساسًا لها.