مقدمة: منطلقات الدراسة ومنهاجيتها:
(1) حين تلقيت الدعوة للمشاركة في الندوة، قبلت بلا تردد ولكن بقلق واضح، وكان مرجع هذا القلق أمرًا أساسيًّا؛ وهو: ما الذي أستطيع أن أقدمه وأنا أستاذة علاقات دولية تعيش في مصر، لا تعرف دقائق وتفاصيل واقع المسلمين في أوروبا بقدر ما تعرف عن توجهاتها العامة الكلية؟ ولكن سرعان ما تبدد هذا القلق لعدة اعتبارات، وحلَّ محله إرادة واعية بضرورة المشاركة. وتنبع هذه الاعتبارات من تطور مسار خبرتي العملية والعلمية والفكرية والبحثية والتي تولد -خلالها ومعها- إدراك أبعاد مفهوم"الأمة"؛ ومن ثم إيمان عميق بأنني جزء من الأمة، وأن أحد رافدي الأمة هو"أقلياتها المسلمة"في أرجاء العالم، بالإضافة إلى الرافد الآخر المتمثل في الأغلبيات المسلمة. وتتلخص الاعتبارات التي تراجع معها قلقي في الآتي:
أول هذه الاعتبارات يتصل بالتراكم الذي ستحققه مشاركتي بالنسبة لمسار اهتمامي بقضايا العلاقات الدولية للأمة الإسلامية على مستويات مختلفة؛ ومنها بالطبع العلاقات بالأقليات المسلمة وعلى ضوء وضعها. ولقد بدأ هذا المسار بطريقة منظَّمة مع"مشروع العلاقات الدولية في الإسلام" (1986 - 1992) [1] ، ثم مع سلسلة بحوثي ودراساتي عن صراعات البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى بعد نهاية الحرب الباردة (92 - 98) [2] ، والاهتمام بالإطار المقارن لدراسة الأقليات المسلمة في العالم منذ نهاية الحرب الباردة، والذي فرض نفسه على نحو ظاهر منذ (1997) [3] ، إلى التركيز على"التحديات الثقافية والحضارية"التي تواجه الأمة الإسلامية في ظل العولمة وبعد نهاية الحرب الباردة ويقع في صميمها قضية التهديد الأخضر للغرب، وكان مسلمو أوروبا والغرب -بصفة عامة- في قلب هذا الحديث [4] ، وإلى خبرة إصدار"حولية أمتي في العالم"التي حرصت أعدادها جميعها على تناول ما يتصل بمسلمي الغرب [5] .
وأخيرًا سلسلة اللقاءات والدراسات والبحوث في مجال حوار الثقافات والحضارات؛ حيث كان في قلبه أيضًا -وجزء منه- المسلمون في الغرب [6] ، وهو الأمر الذي زاد ظهوره بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بصفة خاصة. وأذكر من بين ما كتبته مباشرة عقب هذه الأحداث: التحذير من عواقبها على وضع مسلمي الغرب [7] .
ولقد اقترنت هذه الخبرة الفكرية والنظرية بأخرى عملية جسَّرت الفجوة بين المتابعة عن بُعد وبين المعايشة المباشرة والمراقبة عن قرب لمشاكل مسلمي أوروبا، والغرب، وهو الأمر الذي حققته لي ثلاثة أمور: من ناحية أولى: سفري المتكرر لزيارة ابنتي -بعد زواجها في الولايات المتحدة الأمريكية ولمدة ثماني سنوات ثم قرارها فجأة ضرورة العودة، من ناحية ثانية: الفارق الذي لاحظته خلال زياراتي المتكررة لعواصم أوروبية أو خلال مؤتمرات دولية ألتقي فيها بمسلمين من أوروبا؛ الفارق بين الخطابات المعلنة وغير المعلنة لرموز من العمل الإسلامي في الغرب والتي تعبر عن قدر من عدم التفاؤل الكبير بالرغم من تعبيرات الأمل المعلن عنها.
(1) د. نادية محمود مصطفى (مشرف ومحرر) مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، إحدى عشرة جزء، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1996.
(2) (( د. نادية محمود مصطفى: البوسنة والهرسك، من إعلان الاستقلال وحتى فرض التقسيم(مارس92 - يولية93) ، نجاح العدوان المسلح في فرض الأمر الواقع أمام أنظار النظام العالمي الجديد. (في) : تقرير الأمة في عام (1993) 1413هـ. مركز الدراسات الحضارية. القاهرة.1994.
-د. نادية محمود مصطفى: آسيا الوسطى والقوقاز بين القوى الإسلامية الكبرى وروسيا، أنماط ومحددات التطور التاريخي للتفاعلات الدولية، إطار مقترح للتحليل السياسي للتاريخ الإسلامي (في) معهد البحوث والدراسات العربية: الوطن العربي وكومنولث الدول المستقلة. القاهرة1994.
-د. نادية محمود مصطفى: كوسوفا بين التاريخ والأزمة الراهنة (في) حولية أمتي في العالم (1998) مركز الحضارة والدراسات السياسية، 1999.
-د. نادية محمود مصطفى: قراءة ما يحدث في كوسوفا، القدس، العدد5، مايو 1999.
-د. نادية محمود مصطفى: أزمة كوسوفا وحلف الأطلنطي: التوازنات الأوربية والعالمية. المستقبل العربي، عدد يوليو 1999.
-د. نادية محمود مصطفى: الخطاب العربي-الإسلامي وضربات الناتو حول كوسوفا (في) حولية"أمتي في العالم"1999، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة، فبراير 2000.
(3) د. نادية محمود مصطفى: إطار مقارن لدراسة الأقليات الإسلامية في العالم. (في) د. حسن العلكيم (محرر) : قضايا إسلامية معاصرة، مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، 1997.
(4) (( د. نادية محمود مصطفى: التحديات الخارجية للعالم الإسلامي بروز الأبعاد الثقافية والحضارية(في) الأمة في قرن عدد خاص من حولية أمتي في العالم، تحرير وإشراق د. نادية محمود مصطفى، د. سيف الدين عبد الفتاح، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة، 2003، الجزء السادس.
(5) إصدار مركز الحضارة للدراسات السياسية 5 أعداد من حولية أمتى في العالم، فضلًا عن العدد الخاص"الأمة في قرن: 6 أجزاء في الفترة من (1998 - 2005) ."
(6) انظر على سبيل المثال (من بين إصدارات برنامج حوار الحضارات- جامعة القاهرة) - د. نادية محمود مصطفى (محرر) الهوية الإسلامية في أوروبا: إشكاليات الاندماج قراءة في المشهد الفرنسي، برنامج حوار الحضارات، جامعة القاهرة، 2005.
(7) د. نادية محمود مصطفى، التحالف الدولي ... ضد مَن ولماذا؟، من موقع: