ومن ناحية ثالثة: متابعتي للأحداث والوقائع المقارنة في الغرب، ذات الدلالة بالنسبة لواقع الأقليات المسلمة؛ ومن أهمها: قانون الحجاب [1] ، قانون معاداة السامية [2] ، أزمة الرسوم الدانمركية [3] بعد أزمة قتل المخرج الهولندي، وكذلك بعد أزمة سلمان رشدي قبل ما يقرب من العقدين، شهادات ناشطين مدنيين ومفكرين مسلمين أوروبيين (سواء إسلاميين أو قوميين) عن مظاهر العداء للإسلام والمسلمين التي يعايشونها يوميًا، والتي تزخر بتسجيلها تقارير أوروبية وعالمية. بعبارة أخرى كل هذه الخبرة في مستوياتها المتنوعة ولدت لي من المقولات ومن الفرضيات ما أضحى بحاجة للمناقشة بطريقة أعمق مما جرت عليه حتى الآن، وخاصة ما يتصل بإدراك مسلمي أوروبا ذاتهم لمشكلتهم سواء كانوا من الشرعيين أو أصحاب علم الاجتماع السياسي وغيرهم.
ثاني هذه الاعتبارات: الرابطة -على الأقل إن لم يكن التشابه- بين أنماط من التحديات التي تواجه كافة المسلمين سواء كانوا في دول إسلامية أو باعتبارهم أقلية في الغرب بصفة عامة. ومن ثم؛ فإن دراسة مشاكل الأقليات المسلمة في أوروبا تساهم في إبراز الجوانب الإجرائية لمفهوم"الأمة"على مستويين: من ناحية أولى: مستوى التهديدات، ومن ناحية أخرى: مستوى إمكانيات التفاعل المتبادل حول الاستجابات.
فمن ناحية، حقيقةً تتعدد دوافع واقترابات الاهتمام بالأقليات المسلمة في إطار مقارن نظرًا لمعضلة"التنوع والوحدة في نفس الوقت"من حيث المشاكل أو التحديات أو التهديدات وكذلك الفرص والإمكانات المقارنة فيما بينها من جانب وبينها وبين المسلمين في الدول الإسلامية من جانب آخر، إلا أنه يظل تحديد نمط الأقلية المسلمة من بين عدة أنماط أخرى لها قضية منهاجية مهمة؛ حيث إن معايير هذا التحديد (النشأة، وطبيعة النظام السياسي المحيط مثلًا [4] تصبح مؤثرة في فهم طبيعة المشاكل ناهيك عن طبيعة الحلول. ومما لا شك فيه أن الاهتمام بدراسة"الأقليات المسلمة في أوروبا(الغربية) "-باعتبارها نمطًا بين أنماط أخرى يعني الآتي: النظر إليها باعتبارها أقلية لا تنتمي (ما عدا أسبانيا والبرتغال) إلى ديار إسلام سابقة أي تنتمي إلى ديار تحكمها سلطة إسلامية، ولكن تواجدت نتيجة الهجرة حديثة الجذور، الهجرة إلى نظم سياسية واجتماعية ذات طبيعة خاصة -علمانية ديموقراطية ذات وفرة اقتصادية- انعكست بالطبع على المشاكل التي أضحت تواجهها الأقليات المسلمة؛ حيث برزت أولوية التهديدات الثقافية-الحضارية للذات الإسلامية الملتزمة في ممارساتها الدينية مقارنة بأولوية التهديدات للعقيدة في حد ذاتها التي مرت بها الأقليات في النظم الشمولية أو النظم المتخلفة التابعة. فلم تفتقد الأقليات المسلمة في الغرب الكيان الاجتماعي والديني الذي يوفر حرية الاعتقاد وممارسة العبادات ولكن واجهت تحديات أخرى (كما سنرى تفصيلًا بعد ذلك) تنبع من أمور ثلاثة: العلاقة
(1) د. نادية مصطفى (محرر) : الهوية الإسلامية في أوروبا: مرجع سابق.
(2) د. نادية محمود مصطفى (محرر) : مفهوم معاداة السامية بين الأيديولوجيا والقانون والسياسية، أعمال المؤتمر الدولي الذي نظمه مركز البحوث والدراسات السياسية بالتعاون مع الجمعية المصرية للقانون الدولي والجمعية العربية، لمناهضة التمييز، القاهرة، مارس 2005 (تحت الطبع وسيصدر قريبًًا) .
(3) د. نادية محمود مصطفى، بين الحوار كمبدأ استراتيجي وتسييسه كأداة: قراءة في أزمة فرعية كاشفة على هامش أزمة الرسوم الدانماركية، من موقع:
-د. نادية محمود مصطفى، الرسوم الدانماركية وتداعياتها، أزمة في مسار حوار الأديان والثقافات: قراءة في مغزى العلاقة بين الثقافي/ السياسي وشروط حوار عادل ومتكافئ، من موقع:
(4) د. نادية محمود مصطفى: إطار مقارن لدراسة الأقليات المسلمة، مرجع سابق.