بين الإسلام والعلمانية، والعلاقة بين الشريعة والقوانين الوضعية، والعلاقة بين الرابطة العقدية والولاءات الوطنية؛ وهي أمور تتصل على التوالي بعلاقة الفرد بالمجتمع، والعلاقة بين الجماعة المسلمة والدولة، والعلاقة بينها وبين الأمة الإسلامية، كما أن هذه الأمور تتصل بغاية وجود المسلم ووظيفته في مجتمع الهجرة (كما سنرى لاحقًا) .
ولعلنا نستطيع هنا أن نقول إن جوهر القضايا المشار إليها عاليًا لا تنفرد به الأقليات المسلمة ولكن يظهر جليًا الآن بين ثنايا مجتمعات ونظم الدول الإسلامية، وذلك تحت موجات التدخل والاختراق الخارجي في ظل العولمة (بعد موجات النقل الأول عن الغرب التي تزايدت تدريجيًا في ظل الاحتلال وبعد الاستقلال تحت حكم نظم قومية علمانية) ، وأخيرًا في ظل الحرب الأمريكية على الإرهاب؛ حيث أضحت أهم أبعاد التحديات التي تواجهها الدول الإسلامية تلك ذات الأبعاد الدينية والثقافية المباشرة وذات الصلة الوثيقة بنظائرها السياسية والاقتصادية على نحو جعل البعض يقول إن الثقافة والقيم أضحت آخر خطوط دفاعنا لأنها أضحت آخر خطوط الهجوم العلني علينا [1] .
وبالرغم من ذلك التشابه؛ فما زال هناك اختلاف بين الحالتين (الدول/ الأقليات المسلمة) -من حيث درجة التعرض لتيارات الفكر العلماني- ومن حيث درجة القدرة على مقاومته؛ ذلك لأن الأقليات المسلمة في الغرب تعيش في قلب إطار ثقافي غير إسلامي في كلياته وجزئياته تتزايد علمانيته فجاجة وهجومًا بحيث تصبح مهمة العلاج والمقاومة ليست شديدة الصعوبة أو مستحيلة أحيانًا، بل قد تعتبر -في أحيان أخرى- نوعًا من الخيانة وعدم الولاء وعدم الاندماج المهدد للاستقرار ولقيم ولمبادئ النظم العامة. وفي المقابل؛ فإن الإطار الثقافي الإسلامي (بالرغم مما يتعرض له من اختراقات وتشويهات) فمازال يحتفظ بإمكانيات المقاومة في كلياته وبتجدد الأصوات المحذرة من خطورة الإصابات قبل أن يتمكن الداء تمامًا.
بعبارة أخرى: الأقليات المسلمة هي الوجه الآخر للعملة في حديث"العلاقة بين الإسلام والغرب"سواء تهديدًا أو حوارًا؛ فهانتينجتون بعد أن كتب عن صدام الحضارات كتب"من نحن؟"متعاطيًا بالأساس مع أقليات أمريكا، أما أوروبا وهي تحدد أبعاد التهديدات الجديدة لأمنها التي دفعتها إلى المشاركة الأوروبية المتوسطية ابتداء ثم إلى بلورة سياسات حوار الثقافات الأورومتوسطية، اعتبرت أن الهجرة من الجنوب وتزايد أعداد المسلمين (المهاجرين) من بين هذه المصادر للتهديدات [2] .
ولم تخلُ مقالات ودراسات جادة -تتحدث عن العلاقة بين الإسلام والغرب من مداخل متباينة- من استحضار الأقليات المسلمة في الغرب في سياق التشخيص أو التفسير [3] . وتزايد هذا الوضع وضوحًا بالطبع بعد 11 سبتمبر 2001 [4] ، وحين بادرت بالكتابة مباشرة عقب هذه
(1) د. نادية محمود مصطفى: التحديات الخارجية للعالم الإسلامي، مرجع سابق.
(2) د. نادية محمود مصطفى: البعد الثقافي للمشاركة الأورومتوسطية (في) د. نادية محمود مصطفى (محرر) أعمال ندوة"الاتحاد الأوروبي وإدارة حوار الثقافات الأورومتوسطية"التي نظمها برنامج حوار الحضارات، جامعة، القاهرة، أبريل 2005 (تحت الطبع) .
(3) انظر على سبيل المثال:
-... جون اسيوسيتو"التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة: ترجمة ود. قاسم عبده قاسم، دار ةالشروق، القاهرة 2001."
وكذلك انظر عرضًًا مقارنًًا تفصيلًًا لبعض أهم هذه الأعمال (في) د. نادية محمود مصطفى: التحديات الخارجية للعالم الإسلامي (في) مشروع التحديات للعالم الإسلامي، رابطة الجامعات الإسلامية، 1998، (الفصل الثاني) .
(4) انظر أعمال العدد ىلرابع (2003) من حولية أمتي في العالم عن تداعيات أحداث الحادي عشر من ستبمبر على الأمة دولًا وأقليات
كذلك انظر:
( في) د. نادية محمود مصطفى (محرر) : الإسلام والمسلمين في الاستراتيجية الأمريكية: دراسة في العلاقة بين الأبعاد الثقافية والاستراتيجية، برنامج حوار الحضارات، جامعة القاهرة، 2002.