فهرس الكتاب
الجزء الثاني- الإشكاليات الكبرى لواقع الوجود المسلم في أوروبا، قراءة سياسية في فقه الاندماج والمواطنة
إن الانتقال من مدرسة"فقه الأقليات"إلى القراءة السياسية في الإشكاليات الكبرى لواقع الوجود المسلم يقودنا إلى نمط آخر من الفقه، وهو"فقه المواطنة والاندماج"، وهذا الانتقال يهدف -بدوره- إلى توضيح بعض القواعد المنهاجية التي تضبط التحليل في هذا الجزء من الدراسة مقارنة بالجزء السابق واستكمالًا لأهداف الدراسة، واتفاقًا مع منطلقاتها.
وتتلخص هذه القواعد على النحو الآتي:
من ناحية: مع الاعتراف بأن الأقليات المسلمة ليست كتلة واحدة، وأن واقعها يختلف من دولة أوروبية لأخرى [1] ، فإن هذا الجزء يتصدى للإشكاليات والأسئلة الكبرى التي تمثل قاسما مشتركا، تتصدى له إجمالًا الأدبيات التي تعالج"وضع أقلية محددة"أو تدلي بدلوها في الفقه السياسي للأقليات المسلمة بصفة عامة.
من ناحية أخرى: تقديم نتائج القراءة في أدبيات متنوعة قدمها أوروبيون من المسلمين وغيرهم. وتمثل هذه الأدبيات مجرد أمثلة لاتجاهات عدة تنقسم بينها دراسة هذا الموضوع وتعبر عنها بالطبع نماذج أخرى. ذلك لأن الغرض من هذا الجزء ليس تأصيل الاختلافات بين هذه الاتجاهات ورسم خريطتها كاملة، ولكن الهدف هو الاستعانة بما يحقق أهداف القراءة السياسية المقصودة هنا. ولذا فعلى سبيل المثال، فإن من الأوروبيين المسلمين موضع الاهتمام الناشطين في هذا المجال من أمثال طارق رمضان، أي مسلمي الجيل الثاني من المهاجرين من أصول عربية (أو غيرها) وفي المقابل لم تتطرق مثلًا إلى مراد هوفمان، روجيه جارودي، عزت بيجوفيتش، مع ما لرؤاهم من أهمية ومع أنهم يمثلون المسلمين من أصل أوروبي.
وفي المقابل لم نقتصر على اتجاهات المسلمين من الأوروبيين، ولكن امتد التحليل إلى اتجاهات من بين الأوروبيين غير المسلمين.
ومن ناحية ثالثة: المقصود بالقراءة السياسية لواقع الأقليات قراءة في الأدبيات المشار إليها على ضوء إطار مقارن يتضمن مجموعة من العناصر. وعلى ضوء هذا الإطار أمكن التمييز بين عدة اتجاهات من حيث تشخيص وتفسير المسألة، وهذه العناصر هي:
أولًا- ما هو أصل المشكلة: ديني - ثقافي - أم اجتماعي سياسي؟ أي كيف تقدم الاتجاهات والرؤى المختلفة الإجابة عن هذا السؤال؟ حيث من الملاحظ أنه حين تبلورت مطالب الحفاظ على الهوية الإسلامية بدأت تبرز حدة مشاكل الأقليات وتصاعد الحديث الأوروبي عن الاحتياجات للاندماج لتحقيقه ولو بالقوة، رغمًا أن التحليلات لا تحسم
(1) د. القرضاوي: مرجع سابق، ص 23.