فهرس الكتاب
التسامح، وبالتالي فهو عامل مساعد على تحقيق الاندماج في المجتمع الجديد، ويجب التعامل بشكل لا تهاون فيه مع الأفراد الذين يسيئون استغلال رحابة المجتمع التعددي، ويكرسون قواهم لنشر مواعظ الحقد والكراهية ضد أوروبا والمسيحية، وبالمقابل يجب عدم اعتبار الجماعات الإسلامية المتطرفة تجسيدًا لمخطط وعالمي شامل يرمى إلى الزحف على العالم الغربي والانقضاض عليه من داخله لتقويضه. إن هذا المخطط لا وجود له في الواقع، ولا وجود لقيادة إسلامية قادرة على تخطيط مثل هذه المؤامرة ...
إن أوروبا قادرة فقط على استيعاب إسلام متحرر وغير سياسي، شرط أن تتم عملية الاستيعاب هذه بالتوازي مع عملية تأهيل اقتصادية واجتماعية، ونجاح مثل هذا التطور يتطلب بدوره أن تكون الهجرة نفسها منظمة وخاضعة للسيطرة، وأن تضع الدول الأوروبية سياسة مشتركة ومنسقة تساعد في خلق مجتمعات إسلامية متسامحة وليبرالية في أوروبا، ولبلوغ هذا الهدف يجب توفير الأجواء المناسبة للذين يرغبون بالاندماج، ليشعروا بأنهم موضع الترحيب والانتماء في أوطانهم الجديدة. إن الإحساس الذي ينطوي عليه التساؤل"أين وطني؟"، يعد حقلًا خصبًا لاستنبات الأصولية، وتشكل الأحياء الخاصة بالأقليات الفقيرة والمغلقة أيضًا ...
فإن الجاليات المسلمة في أوروبا يمكن أن تتحول إلى جسور بين أوروبا والبلدان التي نزحوا منها، وعندها سيتمكن"المسلمون الأوروبيون"من أن يصبحوا نموذجًا يساهم في نشر الفكر الديمقراطي وثقافة الحرية في بلدانهم التي هاجروا منها أصلًا، وعلى هذه الأرضية يمكن تأسيس علاقة ثلاثية بناءة وإيجابية بين الأوطان الأصلية والأوطان الجديدة والجاليات المسلمة ...""
بعبارة أخرى بقدر ما يعترف هذا الاتجاه بالمكون الإسلامي في البناء الأوروبي الجديد وقدرته على الاندماج، فهو أيضًا يميز -على صعيد المسلمين- بين من هو قادر وراغب في الاندماج وبين ما هو رافض له؛ أي إنه لا يطلق التعميم -كما فعل برنارد لويس- حول عدم إمكانية المسلمين الاندماج نظرًا لطبيعة المفهوم القرآني عن الإسلام كدين، إلا أنه لم يتوانَ من ناحية أخرى عن تحديد شروط الاندماج وسماته، اللازمة لتكوين"إسلام أوروبي"؛ لأنه ليس من الممكن -من وجهه نظره- تصور اتحاد أوروبي خال من اللون الأخضر ومن العنصر الإسلامي. إلا أنه لم يجب عن السؤال: هل يمكن بناء البيت الأوروبي على أساس نموذج"الحمراء"في الأندلس؟ وكيف يختلف هذا الإسلام الأوروبي عن الإسلام في مناطق أخرى؟
ولهذا لابد أن يثور التساؤل: ما هو الموقف من هذه الشروط التي تتلخص في ثنائية"ظهور الإسلام"ولكن على"النمط الأوروبي"؟ فأين إذن"الإسلام الأوروبي"من فقه الأقليات المسلمة في أوروبا"؟"