فهرس الكتاب
(4) نموذج رابع من اتجاهات تشخيص وتفسير وضع الإسلام والمسلمين في أوروبا تبلور في ظل أحداث -ما بعد الحرب الباردة وتدشين فكر"صدام الحضارات"والتمهيد لتحوله إلى واقع -كما حدث بعد سبتمبر 2001 - إنه الاتجاه [1] الذي انطلق من مناقشة مدى ما يمثله المسلمون في أوروبا من تهديد باعتبارهم جزءًا من مخطط إسلامي عالمي للهيمنة، وذلك بعد أن احتل الإسلام مكان الصدارة كقوة مؤثرة في العلاقات الدولية، ولكن من منظور المحذرين مما يمثله من تهديد وخطر على الحضارة الغربية والأمن والاستقرار العالمي" (منذ ما قبل الحادي عشر من سبتمبر بنحو عشر سنوات) ."
ولذا فإن هذا الاتجاه يبين كيف انعكس هذا المناخ على الموقف من مسلمي أوروبا؛ حيث أضحوا يواجهون بتيار من العداء للإسلام"anti-islam-ism"وقيود شديدة على الهجرة تنبع من مقولات عنصرية دائمة، ومخاوف من الإبادة على غرار ما تعرض له مسلمو البوسنة، في نفس الوقت الذي أخذ يتبلور بين مسلمي أوروبا الوعي المتزايد بالذات وضرورة مواجهة هذه التحديات ومواجهة تزايد نشر الصور المشوهة عن المسلم باعتباره غير عقلاني، من العصور الوسطى، يقهر المرأة، يعادي الحداثة والديمقراطية، في نفس الوقت الذي تبلور لدى بعض المسلمين"تصور ذاتي"يفترض تفوقهم الأخلاقي واحتكارهم للحقيقة وكونهم ضحية لمؤامرة تسببت في ظهور كل مشاكل المسلمين نتيجة الفساد الغربي، والعنصرية والعداء للإسلام.
ويبني هذا الاتجاه أطروحاته على عرض واف ومعمق لهياكل الوجود المسلم في أوروبا وتطوراته الاجتماعية السياسية على اعتبار أن فقه الواقع هو ضرورة مسبقة لمناقشة التصور عن الإسلام والمسلمين سواء بواسطة المسلمين ذاتهم أو بواسطة الإطار الأوروبي المحيط.
بعبارة أخرى: تتراجع لدى هذا الاتجاه العوامل الدينية-الثقافية في مواجهة العوامل الاجتماعية-السياسية عند تشخيص وتفسير أزمات المسلمين في أوروبا، والتي تجعلهم يتجهون إلى مطالب"الجماعات"أكثر من اتجاههم إلى مطالب باعتبارهم جزءًا من مجتمع أكبر يتحدد الانتماء إليه وفق معيار ما الذي يفعله الفرد وموقفه من الآخرين وليس وفق معيار من هو هذا الفرد.
(5) اتجاه خامس [2] يهتم بالتحولات التي يتعرض لها المسلمون ويتعرض لها فهمهم للإسلام نتيجة هجرتهم وانتقالهم؛ وهي التحولات التي تطرح للنقاش مجموعة من القضايا سواء على مستوى الحوار البيني المسلم أو مع غير المسلمين. كما أنها التحولات التي تحدث في ظل العولمة والتفاعلات عبر المحلية (وليس فقط عبر القومية) . فإن العوامل التي تحيط بظاهرة الهجرة المسلمة تؤثر على نمط معايشة المهاجرين لإسلامهم ومراجعتهم لهم في إطار
(2) (( انجمار كارلسون: مرجع سابق، ص 8، ص ص 120 - 121.