الصفحة 72 من 100

قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه. وقال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان. وعلى المرء أن يتذكر على الدوام قوله تعالى: " ما يَلفِظُ مِن قول إلاّ لَديهِ رَقيب عَتيد " (9) . وقال بعض الحكماء إنما خلق للإنسان لسان واحد وعينان واذنان ليسمع ويبصر أكثر مما يقول، ثم أنه حبس بأربعة أبواب الشفتان مصراعان والأسنان مصراعان. وما يحصل الحكماء على الحكمة إلاّ بالتفكر والصمت.

للسان آفات لاتعادلها آفات عضو آخر في البدن. فمن آفاته الكذب، والوعد الكاذب، والغيبة، والنميمة، والمزاح، والمراء، والجدل، والفحش في الكلام، والكلام فيما لايعني وفضول الكلام، والخصومة، واللعن، والسخرية والإستهزاء، والحلف الكاذب، والخوض في الباطل، والتقعر، والتشدق، والتكلف في الكلام، والغناء، وقول الشعر الماجن، وإفشاء السر، والمدح أمام الممدوح، والذم بما لا يستحق ... ومثل هذه الآفات يستحق كل واحد منها الحذر من الوقوع في مساوئه، وكلها من آفات اللسان. لذلك على المؤمن أن يقول خيرا أو ليصمت (10) .ـ

وعلى المؤمن أن يراقب كلامه أكثر من كلام الناس، فلا يتكلم إلاّ بعد رَوِيَّة وتفكر، فإذا ما نطق بالكلمة، خرجت الكلمة من سيطرته وأصبحت ملك من سمعها. أما قبل ذلك فهي ملكه إن شاء تفوه بها وإن شاء كتمها. وعلى المرء أن لا يستهين بالكلمة، فرب كلمة أحدثت فتنة، ورب فتنة تسببت في إزهاق أرواح أو في خصام وشقاق. ألا تستحق مثل تلك الكلمة أن يهوي بها صاحبها في جهنم، كما قال عليه الصلاة والسلام: " إنّ الرجُلَ ليَتَكَلّم بالكَلِمَةِ من سَخَطِ اللّهِ ما يَظُنّ أن تَبلُغَ ما بَلَغَت فيَكتُبُ اللّهُ عليه بها سَخَطُهُ إلى يوم القيامَة " (11) . وهكذا يكون اللسان واحدا من أكثر ما يدخل الناس النار كما سيأتي في الحديث الآتي.

ـ 67 ـ حسن الخلق

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: " تَقوى اللّه وحُسنُ الخُلُقِ "، وسُئِل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: " الفَمُ والفَرجُ "

(رواه الترمذي وقال حسن صحيح)

سبق أن مر بنا في الحديث (46) قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أن البر حسن الخلق". مدح الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " وإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظيم " (12) . وقد بلغ من حسن خلقه أن كان يقابل عداء قومه له بدعائه: " اللّهُمَ اهد قومي فإنّهُم لا يَعلمون " (13) ، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: خَدمتُ النبي عشر سنين فما قال لشيء فعلته لِمَ فعلته ولا لشيء تركته لم تركته (14) . وكان من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم: " اللّهُم إهدِني لأحسَنِ الأخلاقِ، لا يَهدي لأحسنِها إلاّ أنت، واصرف عني سيّئَها لا يصرف سيّئَها إلاّ أنت " (15) .ـ

روي أن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه دعا غلاما له فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعا فقال أما تسمع يا غلام، فقال نعم، قال فما حملك على ترك جوابي؟ فقال أمنت عقوبتك فتكاسلت، فقال إمض فأنت حر لوجه الله تعالى. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا رأى واحدا من عبيده يحسن الصلاة يعتقه، فعرفوا ذلك من خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراآة، وكان يعتقهم، فقيل له في ذلك فقال من خَدعنا في الله انخدعنا له. وكان الفضيل بن عياض يقول: لئن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إليّ من أن يصحبني عابد سيئ الخلق. وعرّف الحرث المحاسبي حسن الخلق بقوله: إحتمال الأذى، وقلة الغضب، وبسط الوجه، وطيب الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت