الصفحة 84 من 100

(رواه مسلم)

قال الله تعالى: " ولا يَجرِمَنَّكُم شَنآنُ قوم على ألاّ تَعدِلوا، إعدِلوا هُوَ أقرَبُ لِلتَقوى" (11) ، أي لا يحملكم بغضكم لقوم على أن تظلموهم فإن العدل أحق أن يتبع حتى مع الأعداء. " إنّ اللّهَ يأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى وينهى عَن الفَحشاء والمُنكر والبَغي " (12) . وقد نادى الله عبده داود عليه السلام: " يا داودُ إنّا جَعَلناكَ خليفَة في الأرضِ فاحكُم بينَ النّاسِ بالحَقّ ولا تَتَّبِعِ الهوى فيُضِلّك عن سَبيلِ اللّهِ " (13) .ـ

في هذا الحديث تبيان أن العدل لا يكون في الحكم فقط، بل العدل في كل من ولي شيئا. فالوالد عليه العدل بين أولاده، ومن تزوج بأكثر من إمرأة عليه العدل بينهن، ومن حمل مسؤولية عليه العدل بين من يشملهم عمله من رئاسة أو مراجعة أو تكليف بواجبات إلى غير ذلك. كما أن عليه أن يعدل بين حق نفسه وحق غيره فلا يؤثر نفسه على غيره دون حق ولا يتبع الهوى فيفضل أقرباءَه على غيرهم أو يغمط حق من يكرهه. أتى رجل إلى عمر بن الخطاب فقال له: إني أبغضك، فقال له عمر أتغمطني حقي؟ قال لا، قال فإنما يبكي على الحب النساء.

إن الله تعالى إذا أوجب أمرا جعل متطلبات ذلك الواجب واجبة أيضا. فالمعروف أن الغضب يفقد المرء بعضا من صواب قراره. لذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحكم عند الغضب (14) . ومن عمل تحت أمرته أجير فعليه أن يعدل معه ولا يظلمه، فلا يكرهه على عمل لم يتفق عليه عند التعاقد مستفيدا من كونه لم يصرف إجرته بعد، أو أن بإستطاعته حجبها عنه أو تقليلها، فكل ذلك من الظلم سواء كان لمصلحته هو أو لمن أمره بذلك، فمن ساعد ظالما على ظلمه كان شريكا له، ومن كان في كده ظالما لغيره كان ما أكل من مال حرام وسحت.

ـ 81 ـ صلة الرحم

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" الرَحِمُ مُعَلَّقَة بالعَرشِ تَقولُ مَن وَصَلَني وَصَلَهُ اللّهُ وَمَن قطَعَني قَطَعَهُ اللّهُ "

(متفق عليه)

إن الله تعالى خلق الناس من أبوين وجعل كل أسرة تتصل بقرابة مع غيرها، فصلة الرحم تعني إقامة علاقات التعاون والتآلف مع الأقربين وتقديم ما يحتاجون من مساعدة إليهم. ويتم ذلك بالتزاور والتناصح والرعاية عند الملمات ومنح الصدقات لفقرائهم، كل هذا مع عدم توقع مقابلة ذلك بإحسان مقابل ذلك بل ابتغاء وجه الله حتى وإن كان ذلك المقابل مقصرا في صلة رحمه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إليّ وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال: " لَئِن كُنتَ كَما قُلتَ فَكأنَّما تُسِفُّهُم الملّ ولا يزال معَكَ مِنَ اللّهِ ظَهير عَليهِم ما دُمتَ على ذلك " (15) ، تسفهم المل أي كأنما تطعمهم الرماد الحار أي يلحق بهم إثم كبير. ويجب على المؤمن أن يراعي ذوي رحمه الأقرب فالأقرب، قال تعالى: " وأولوا الأرحامِ بَعضُهم أولى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ " ـ (16) .وقد حث الله تعالى على تفقد ذوي القربى في كثير من الآيات " أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربَة أو مسكينا ذا مَترَبَة " (17) ، " وآتِ ذا القُربى حَقَّهُ والمِسكينَ وابنَ السَبيلِ ولا تَبَذّر تَبذيرا " (18) ، فالصدقة إذا أعطيت إلى ذي قربى يكون لها أجر الصدقة وأجر صلة الرحم. وهكذا فالمؤمن يتغاضى عن هفوات أقربائه تجاهه وإساءتهم إليه وظلمهم له ويحسن إليهم متفقدا إياهم في السراء والضراء مادّا يد المساعدة إليهم كلما احتاجوا إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت