الصفحة 87 من 100

الغش في المعاملات يمكن أن تحد منه القوانين، ولكن كلما زادت القوانين شدة إبتكر الغشاشون نوعا جديدا من الغش. أما إذا حورب الغش من داخل نفس الإنسان، فكان لا يحب لغيره إلاّ ما يحب لنفسه فإن الغش يقضى عليه أو قل كثيرا. من الغش إخفاء العيوب، ومن الغش نقص المكيال، ومن الغش الحلف الكاذب، ومن الغش إظهار الورع والتقوى أمام المشتري، ومن الغش وصف السلعة بما ليس فيها، ومن الغش الوعد الكاذب مع اليقين بعدم التمكن من الوفاء. وشر الغشاشين الذين يغشون الناس ولا ينتفعون هم بل ينتفع غيرهم بذلك وما هم سوى أدوات لتنفيذ الغش، وليس لهم من نفع سوى فائدة تافهة كرضاء أوليائهم عنهم أو مدحهم لهم وتشجيعهم على سوء عملهم لقاء ثمن بخس من متاع الدنيا الزائل، وهذا عمل لا يرضاه الله تعالى.

إن رب الأسرة الذي يهمل توجيه أسرته وتعليمها غاشّ لهم، والذي يكسب الرزق الحرام ويطعم أولاده من ذلك الرزق الحرام غاشّ لهم. وكانت نساء المؤمنين الأولين يوصين أزواجهن بالرزق الحلال ويقلن لهم: إتقوا الله فينا فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على حر جهنم. ومن ولي من أمر المسلمين شيئا فلم يبذل جهده معهم أو استأثر بالمنافع لنفسه وذويه دونهم فهو غاش لهم، والرعية إذا لم تنصح لمن ولاّه الله أمرها غاشّة له.

أما حمل السلاح ضد المسلمين الذي ورد في هذا الحديث دون تأويل سائغ فهو كفر. والتأويل السائغ هو أن يكون هناك حجة شرعية يقبلها العقل استنادا إلى كتاب الله أو أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتأويل تقبله اللغة العربية، كالدفاع عن النفس والمال والدين والعرض والوطن.

ـ 86 ـ مداراة الناس

عن عائشة رضي الله عنها قالت، إستأذن رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " إئذنوا لَهُ بئسَ أخو العَشيرَة هُوَ "، فلما دخل ألان له القول، قالت عائشة: فقلت يا رسول الله قلت عنه الذي قلت ثم ألنت له القول!! قال: " يا عائشة، إنّ شَرّ الناس مَنزلة عند اللّه يوم القيامَة من ودَعَهُ أو ترَكَهُ الناسُ اتّقاء فُحشه ".

(متفق عليه)

لين الكلام وخفض الجناح للمؤمنين من الإيمان. أما الفسقة والأشرار فيجب التلطف بهم ومداراتهم ابتغاء تأليف قلوبهم وتزيين الإيمان لهم أو تجنب أذاهم. وقد نهى الله تعالى عن سب آلهة الكفار " ولا تَسُبوا الذين يدعونَ من دون الله فيَسُبّوا اللّهَ عدوا بغير علم " (28) . فمن الدين مداراة السفهاء، والتلطف بهم دون خنوع وبما لا يزيد من غرورهم وصلافتهم تجاه الحق. وهذا لا يقلبهم إلى أخيار فإن شر الناس من أكرم إتقاء شره. والله تعالى يحب الرفق في الأمر كله. أما إظهار العزة على الكفار، " أذلَّة على المؤمنينَ أعزَّة على الكافرينَ " (29) فهو مطلوب في حال المجابهة والخصام مع جموع الكافرين أو ممثليهم أو المعاندين منهم الذين لا يظهرون أي لين تجاه الحق.

قال محمد بن الحنفية (30) رضي الله عنه: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّا حتىيجعل الله له منه فرجا. وقد أخرج الطبراني من حديث علي بن الحسين (31) عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " رأسُ العَقل بَعدَ الإيمان التوَدُدَ إلى النّاس واصطناعُ المعروف إلى كُلّ برّ وفاجر "

ويبيح هذا الحديث غيبة المجاهر بفسوقه، ولذلك أحوال محدودة منها تحذير المسلمين من شره والإستعانة بهم لتغيير منكره أو شكايته إلى قاض أو نحوه أو تسميته بما عرف عنه من منكر. أما فيما عدا ذلك فالغيبة محرمة. " ولا يَغتَب بَعضُكُم بَعضا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت