فهرس الكتاب
ـ" إن المُؤمنَ يَرى ذَنبَهُ كأنَّهُ في أصل جَبَل يَخافُ أن يَقَعَ عَليه وإنّ الفاجرَ يَرى ذُنوبَهُ كَذُباب وَقَعَ عَلى أنفه فقال لَهُ هكذا " رواه الترمذي وأحمد
قال الله تعالى: " فَلا تُزَكّوا أنفُسَكُم هُوَ أعلَمُ بمَن اتَّقى " (20) ، فالمؤمن لا ينظر إلى نفسه إلاّ بعين اللوم والمحاسبة ولا ينظر إليها بعين الفخر والتزكية والعجب. وهكذا فهو بذلك يرقى في مراتب القرب من الله غير ملتفت إلى ما حصل عليه من ثواب آملا المزيد، بل يخاف من الذنوب والخطايا مهما كانت صغيرة فرب مهلكة صغيرة أحبطت أعمال خير كثيرة، ولسان حاله يقول: لا تنظر إلى صغر ذنبك ولكن إنظر لمن عصيت!! وإن أكبر عقبة في إكتساب درجات القرب من الله تعالى هو التهاون في المعاصي. فالمؤمن يخاف ذنوبه مهما كانت صغيرة و يراقب نفسه، ويستغفر الله مما ألمّ به من ذنوب على الدوام، فرب صغائر اجتمعت على صاحبها فأهلكته، كما سبق في الحديث (63) . لذلك فالمؤمن يخشى الله ويَتَّقْهِ ويرجو رحمته وثوابه ولا يتَّكِلَ إلى عمله مهما قدم من أعمال صالحة. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " لايَدخُلُ أحد الجنَّةَ بعَمَله "، قيل ولا أنت يارسول الله!! قال: " ولا أنا إلاّ أن يتَغَمَّدَني اللّهُ برَحمَته " (21) . وهذا الأسلوب وسيلة لتزكية النفس وتطهيرها مما يلمّ بها من ذنوب ومعاصي مهما كانت صغيرة. وفي مقابل ذلك إن رأى ذنبا من غيره ستره والتمس لصاحبه العذر فذلك دأب الصالحين دوما.
ـ 95 ـ الحذر من الحسد
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
" الحَسَد يأكُلُ الحَسَنات كَما تأكُلُ النّارُ الحَطَب "
(أخرجه أبو داود وإبن ماجه)
المؤمن ينظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيحمد الله تعالى ويمد يد العون إلى غيره، وهو ينظر في أمور الآخرة إلى من هو فوقه فيتسابق إلى عمل الخير: " فاستَبقوا الخيرات " (22) .ـ
الحاسد لا يرضى بقدر الله وقضاءه وقسمته لنعمه بين عباده. قال تعالى: " قُل إنَّما حَرَّم ربيَ الفواحشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ " ـ (23) ، قيل إن ما بطن هو الحسد. قال الحسن البصري: يا بن آدم لم تحسد أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه كرامة عليه فلم تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار؟
والحاسد عدو لنعم الله تعالى: " أم يَحسُدونَ النّاسَ على ما آتاهُم اللّهُ من فَضله " (24) . وقال عون بن عبد الله يعِظُ الفضل بن المهلب وهو يومئذ والي واسط: إياك والحسد فإنما قتل إبن آدم أخاه حين حسده: " واتلُ عليهم نَبأ ابني آدم بالحق إذ قَرَّبا قُربانا فَتُقُبّلَ من أحَدهما ولَم يُتَقَبَّل منَ الآخَر قالَ لأقتُلَنَّكَ قال إنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ منَ المُتَّقينَ " (25) .ـ
والحسد ظلم لأنه تمني زوال نعمة من الله على الغير وهو مكر سيئ، " ولا يَحيقُ المَكرُ السيئُ إلاّ بأهله " (26) فلله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله كمدا وحسرة.
والحسد محرَّم إلاّ في موضعين: هما أن يرى المرء رجلا أوتي علما فهو يعمل به ويعلّمه الناس، أو رجلا أوتي مالا فهو ينفقه في سبيل الله فهو يتمنى أن يكون مثلهما، أو مثل أحدهما لا أن يتمنى زوال النعمة عنهما.