فهرس الكتاب
ـ 96 ـ إجتناب الظن
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
" إيّاكُم والظَن، فإنّ الظَنّ أكذَبُ الحَديث "
(متفق عليه)
قال الله تعالى: " يا أيُّها الّذينَ آمَنوا اجتَنبوا كَثيرا منَ الظَنّ إنّ بَعضَ الظَنّ إثم " (27) . يجب على المسلم أن يحسن الظن بالمسلمين فلا يتّبع عوراتهم لأدنى شبهة، خاصة فيما لايعنيه. أما الحذر فهو غير الظن: قال تعالى: " وخُذوا حذرَكُم " (28) ـ كما أن المؤمن كيِّسٌ فَطِن، ولايُلدغ من جُحْرٍ مرتين، فإذا ما استنتج من ظواهر معينة أمورا خفية فيها مصلحة للمسلمين، فذلك غير الظن السوء المنهي عنه.
إن من الناس من لا يثق بأحد، فهو على الدوام يظن بهم سوءا ولا يتصور حسن نية من أحد. وهذا داء لصاحبه يقلب حياته شقاء ولا ينعم بساعة من حياته. أما الخطرات التي تخطر ببال الإنسان فلا يتبعها بتحقق الأمور التي خطرت له ولا يتحدث بها ولا يبالي بها فهي من حديث النفس المعفو عنه ما لم يتبع ذلك بتجسس وتتبع لعورات المسلمين. وكثيرا ما يكون الظن معبِّرا عما في داخل نفس المرء نفسه، فإن كان منافقا ظن أن كل الناس منافقون، وإن كان غشاشا ظنهم كذلك، وإن كان مرائيا ظن أن الناس كذلك. أما المؤمن فيحسن الظن بالمسلمين ويفسر الأمور على أصلح وجه ويلتمس الأعذار لغيره، فإن أخطأ في حسن الظن مائة مرة خير من أن يخطئ بسوء الظن مرة واحدة.
ـ 97 ـ الإستغناء عن سؤال الناس
عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: " ألا تُبايعونَ رَسول اللّه؟ "، وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: " ألا تُبايعون رسولَ اللّه؟ "، فبسطنا أيدينا وقلنا بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: " أن تَعبُدوا اللّهَ ولا تُشركوا به شيئا، والصَلوات الخَمس، وتُطيعوا اللّهَ "، وأسَرّ كلمة خفية: "ولا تَسألوا النّاسَ شيئا ". فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه.
(رواه مسلم)
البيعة لعامة المسلمين حينما كان يأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غالب الأحيان، كانت تشتمل على أخذ الميثاق بعدم الإشراك بالله وطاعة الله ورسوله في المنشط والمكره (أي فيما يحب المرء وفيما يكره) . أما هذه البيعة فهي بيعة خاصة لأولئك النفر، وهذا هو السر في خفض النبي صوته في أن لا يسألوا الناس شيئا، فهذه هي العزيمة، وما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليأخذ عليهم العهد بعدم سؤال الناس شيئا إلاّ بعد أن عرف من نفوسهم الإستعداد لذلك. وعدم سؤال الناس شيئا قد يبدو لأول وهلة هو عدم الإستجداء من الناس. لكن أولئك النفر الكرام قد فهموا أمر رسول الله على عموم لفظه بعدم سؤال الناس أي حاجة كانت حتى ولو كانت مساعدة بسيطة (رغم أن ذلك ليس حراما) ، لأن مثل هذه المسألة هي طلب صدقة ممن يؤديها.