فهرس الكتاب
وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان، فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال الذي لا تأتي به شريعة قطّ، فضلا عن شريعة قال الله فيها: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78] ، وقال تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] ، وقال تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ } [النساء:28] ، وفي الصحيحين: (( إنّما بعثتم ميسّرين ) )، و (( يسّروا ولا تعسّروا ) ) (( ليعلم اليهود أنّ في ديننا سعة ) )، فكلّ ما لا يتمّ المعاش إلا به فتحريمه حرج، وهو منتف شرعًا، والغرض من هذا أنّ تحريم مثل هذا ممّا لا يمكن الأمّة التزامه قطّ لما فيه من الفساد الذي لا يطاق، فعُلم أنّه ليس بحرام، بل هو أشدّ من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنّا على لسان محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنيّة على قوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:173] ، وقوله: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [المائدة:3] ، فكلّ ما احتاج الناس إليه في معاشهم، ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم، لم يحرم عليهم، لأنّهم في معنى المضطرّ الذي ليس بباغ و لا عاد، وإن كان سببه معصية كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون؛ فإنّه يؤمر بالتوبة، و يباح له ما يزيل ضرورته، فيباح له الميتة ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه، المحتال، وحاله كحال الذين قال الله فيهم: { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [الأعراف:163] ، وقوله: فَبِظُلْمٍ