فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 99

وقد ضرب الشيخ لذلك عدّة أمثله، فقال: ( ألا ترى أنّ المدلّس والغاشّ و نحوهما إذا باعوا غيرهم شيئًا مدلّسًا، لم يكن ما يشتريه المشتري حرامًا عليه، لأنّه أُخذ منه أكثر ممّا يجب عليه، وإن كانت الزيادة التي أخذها الغاشّ حرامًا عليه. وأمثال هذا كثير في الشريعة، فإنّ التحريم في حقّ الآدميين إذا كان من أحد الجانبين، لم يثبت في الجانب الآخر، كما لو اشترى الرجل ملكه المغصوب، من الغاصب، فإنّ البائع يحرم عليه أخذ الثمن، والمشتري لا يحرم عليه أخذ ملكه، ولا بذل ما بذله من الثمن، ولهذا قال العلماء: يجوز رشوة العامل لدفع الظلم، لا لمنع الحقّ، وإرشاؤه حرام فيهما، وكذلك الأسير والعبد المعتَق إذا أنكر سيده عتقه له أن يفتدي نفسه بمال يبذله يجوز له بذله، وإن لم يجز للمستولي عليه بغير حق أخذه، وكذلك المرأة المطلّقة ثلاثًا إذا جحد الزوج طلاقها، فافتدت منه بطريق الخلع في الظاهر كان حرامًا عليه ما بذلته، ويخلّصها من رقّ استيلائه. ولهذا قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:(( إنّي لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتلظّاها نارًا ) )قالوا: يا رسول الله فلمَ تعطيهم ؟! قال: (( يأبون إلا أن يسألونى ويأبى الله لي البخل ) ) [1] . ومن ذلك قوله: (( ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة ) ) [2] ، فلو أعطى الرجل شاعرًا أو غير شاعر لئلا يكذب عليه بهجو أو غيره، أو لئلا يقول في عرضه ما يحرم عليه قوله؛ كان بذله لذلك جائزًا وكان ما أخذه ذلك لئلا يظلمه حرامًا عليه، لأنّه يجب عليه ترك ظلمه والكذب عليه بالهجو من جنس تسمية العامة ( قطع مصانعه ) وهو الذي يتعرّض للناس وإن لم يعطوه، اعتدى عليهم بأن يكون عونًا عليهم في الإثم والعدوان، أو بأن يكذب عليهم وأمثال ذلك.

(1) صحيح الترغيب والترهيب للألباني: 1/ 337، بلفظ مقارب.

(2) أخرجه ابن عديّ: 2/ 249، والدار قطنيّ: ص300، والحاكم: 2/ 50، وضعّفه الألبانيّ كما في الضعيفة برقم 898.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت