فهرس الكتاب
بين الصدق والخيال الشارد قرأت في طفولتى طرفة ذكرها"المبرد"فى كتابه"الكامل"وجعل عنوانها"تكاذب الأعراب"! قال: لقى أعرابى صاحبه وسارا معا يتسامران. قال الأول: بقيت قطعة من الليل لم تنجل في جانب الوادى فحملت عليها بفرسى فمازلت بها حتى انجلت! وقال الآخر: أرسلت سهمى وراء ظبى لأصطاده، فتيامن الظبى فتيامن السهم معه! فتياسر الظبى فتياسر السهم معه، فوثب الظبى فوق ربوة فارتفع السهم معه، وما زال به حتى صرعه..! هكذا أرضى كلا الرجلين غروره، وأطلق خياله ثم استقبلا يومهما بسرور!!. إن الحياة ملآى بهذا الصنف من الناس، لأن الناس لا يرتبطون بالواقع الذى أمامهم، بل تحركهم حاجاتهم وحدها وتجعلهم يظنون البعيد قريبا والقريب بعيدا ويفترضون أحكاما لا أصل لها، ولذلك يقول العامة: صاحب الحاجة أرعن! إنها رعونة من يتجاهل الواقع ويتخيل فيخال.. لكن الله منحنا العقل لندرك به الحقائق ونبني عليها المسلك المعقول، ومن فر من الواقع وسار وراء أحلام اليقظة فهو مخدر بائس لن يبلغ غرضا أبدا ولذلك يقول المتنبى: تصفوا الحياة لجاهل أو غافل عما مضى منها وما يتوقع ولمن يغالط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فتطمع! إن الصدق في تعريف علماء الأخلاق الإخبار بالواقع، وهو عند التأمل معرفة الواقع أولا، والإحساس به ثم الحديث عنه دون نقص ولا زيادة. ويؤسفنى أن طوائف من الناس تحيا داخل أوهامها، ويؤثر فيها الخيال الجامح أكثر مما يؤثر فيها الحق الواضح! ودائرة الصدق تسع القول والعمل والعقيدة والمنهج وإذا لم يكن الإيمان صدى الحق ص _133