فهرس الكتاب
الميزان الضابط للعبادة هززت رأسى ضاحكا وأنا أقرأ في أحد كتب السنة عنوان"الاقتصاد في الطاعة"! وقلت: إن طبيعة عصرنا تمنع الإسراف في الطاعات، لقد تبرجت الأرض وبعثرت الشهوات في كل مكان، والماهر من احتفظ بدينه في هذه المتاهات وحصل النهايات الصغرى في اختبارها الصعب.. ثم بدا لى أن الأمر جدير بالدراسة المتأنية، فإن بعض الناس قد يسرف في إحدى الطاعات على حساب التقصير في طاعة أخرى، والفرائض المكتوبة تشبه الوجبات التى يتغذى بها البدن، لابد من احتوائها على عناصر منوعة. وقد يمرض الجسم لأنه استكثر من عنصر وحرم من عنصر آخر..! لقد قرأنا حديث أنس بن مالك أن ثلاثة نفر جاءوا إلى بيوت النبى صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها- عدوها قليلة- وقالوا:، أين نحن من النبى؟ قد كفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! قال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبدا، وقال الأخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الأخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا..! فجاء رسول الله إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له. ولكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتى فليس منى". وعند التأمل فيما قطعه هؤلاء الثلاثة على أنفسهم نجد أن تدينهم ناقص وأنهم سلكوا طريقا يهدم الحياة ولا يبنيها، ويفسدها ولا يرشدها..! ماذا تكسب الدنيا من رجل ترهب واعتزل النساء؟ إن سلسلة الحياة من لدن آدم تنقطع عنده فلا أثر ولا عقب! وقد تكون معاناته في تربية ولد أزكى عند الله وأربى في الدنيا من هذا الحرمان.. وماذا كسبه الصائم أبدا؟ وفر طعامه لغيره وأعجز نفسه عن الكدح والجهاد. ص _044"